منتديات مدارس طوخ الخاصة
أهلاً بكم في منتـديات مدارس طوخ الخاصة
*ملحوظة: بعد التسجيل يجب تفعيل العضوية من الإيميل



 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتإحصائيات المنتدىالتسجيلدخول

Facebook fan page
المواضيع الأخيرة
» اهم كلمات اللغة الألمانية
الجمعة فبراير 21, 2014 4:15 pm من طرف ayman

» امتحانات الصف الثالث الاعدادى الفصل الدراسى الاول لعام 2011 -2012
الخميس يناير 16, 2014 12:38 pm من طرف مكتبة اقرا

» تقريري عن محاضرة عن الإنعاش القلبي الرئوي
الخميس أكتوبر 10, 2013 12:10 am من طرف سارة أيمن

» تقرير عن كتاب "رحلتي من الشك إلى الإيمان"
الجمعة سبتمبر 13, 2013 1:53 pm من طرف سارة أيمن

» اقتباسات من كتاب "اندهش يا صديقي" لعبد الوهاب مطاوع
الجمعة سبتمبر 13, 2013 1:50 pm من طرف سارة أيمن

» أوائل الصف الثالث الثانوي (علمي علوم) بمدرسة طوخ الثانوية الخاصة 2012/2013
الثلاثاء سبتمبر 10, 2013 6:45 pm من طرف بسمة جميل

» أوائل الصف الثالث الثانوي (علمي رياضة) بمدرسة طوخ الثانوية الخاصة 2012/2013
الثلاثاء سبتمبر 10, 2013 6:45 pm من طرف بسمة جميل

» أوائل الصف الثالث الثانوي (أدبي) بمدرسة طوخ الثانوية الخاصة 2012/2013
الثلاثاء سبتمبر 10, 2013 6:44 pm من طرف بسمة جميل

» Mockingjay by Suzanne Collins (The Hunger Games #3)
الثلاثاء سبتمبر 10, 2013 6:27 pm من طرف بسمة جميل

» Catching Fire by Suzanne Collins (The Hunger Games #2)
الأحد سبتمبر 08, 2013 4:25 am من طرف سارة أيمن

مواقع صديقة
To start blogging
شاطر | 
 

 جواسيس الموساد الاسرائيلى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Mostafa
مراقبـ
مراقبـ


ذكر
عدد المساهمات: 2607
العمر: 18
العمل/الترفيه: لعب كرة القدم
فصل: 1/5 ث وبلا فخر
المزاج: راااااااااااااااايق!!
مزاجي اليوم:
المهنة:
الهواية:
أوسمة العضو:
نقاط: 12748
السٌّمعَة: 33
تاريخ التسجيل: 18/01/2010

مُساهمةموضوع: جواسيس الموساد الاسرائيلى   الخميس يونيو 10, 2010 2:44 pm



قلت بقى نفضح الاسرائليين

وبجد هنا جواسيس وكلام اول مرة هتعرفوه وهتسمعوه

فى الاول هجيب فاضيح الموساد على مر التاريخ

وبعد كده هجيب جواسيس الموساد ويارب الموضوع يأثر فى كثير مننا

وهى هتكون عبارة عن حلقات وعلى قد ما اقدر اجيب ل يوم حلقه

نبدأ ونتوكل على الله

فضايح الموساد اليهودى ( الصهيونى )

أعلن أفيجدور ليبرمان وزير الخارجية الإسرائيلي أنه لا يوجد ما يثبت مسئولية جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) عن اغتيال قيادي بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في دبي على الرغم من استخدام أعضاء مشتبه بهم في فرقة الاغتيال جوازات سفر لإسرائيليين ولدوا في الخارج. لكن قلة من المعلقين الإسرائيليين بدت تشكك في قيام الموساد بدور في اغتيال قيادي حماس محمود المبحوح يوم 20 يناير كانون الثاني والذي أصبحت قضية مقتله قضية شهيرة بعدما طالبت حماس بفتح تحقيق في قتله.
وفيما يلي عرض لبعض الفضائح الدولية السابقة التي تورط فيها الموساد ووكالات مخابرات إسرائيلية أخرى:


* 1954 - كشفت مصر خلية تابعة لمخابرات الجيش الإسرائيلي من اليهود المصريين. وكانت الخلية قد ألقت قنابل حارقة على مواقع يرتادها غربيون لإحراج القاهرة وإثنائها عن تأميم قناة السويس. وتم شنق اثنين من أفراد الخلية وانتحر آخر وسجن ستة آخرين. وقدم بينهاس لافون وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك استقالته على الرغم من نفيه إجازة المخطط.
* 1963 - اعتقلت الشرطة السويسرية إسرائيليا ونمساويا بعدما اتهمتهما ابنة عالم ألماني بتهديدها في إطار حملة ترويع قام بها الموساد لألمان يشتبه بأنهم ساعدوا برنامجا مصريا للصواريخ. واستقال إيسار هاريل رئيس الموساد آنذاك. وتم إطلاق سراح المعتقلين بعد ذلك بشهور قليلة.
* 1967 - اعتقل شخصان في ألمانيا يشتبه بأنهما ضابطان في الموساد أثناء مداهمتهما منزلا يعتقد أنه ملك مسئول سابق في البوليس السري الألماني. وأفرج عن الضابطين في لفتة لحسن نوايا لإسرائيل بعد حرب عام 1967 في الشرق الأوسط.
* 1973 - قتل أفراد تابعون للموساد بالرصاص في النرويج نادلا مولودا في المغرب بعدما ظنوا أنه أحد الفلسطينيين الذين دبروا لهجوم قتل فيه 11 لاعبا إسرائيليا خلال دورة الألعاب الاولمبية في ميونيخ عام 1972 . وتمت محاكمة خمسة ضباط في الموساد لكن أفرج عنهم في نهاية المطاف. وعرضت إسرائيل دفع تعويض لأسرة النادل.
* 1985 - جوناثان بولارد المحلل في البحرية الأمريكية اعتقل لنقله معلومات مخابرات إلى لاكام وهي وكالة إسرائيلية متخصصة في التعاون العلمي. واعتذرت إسرائيل للولايات المتحدة وفككت لاكام. وحكم على بولارد بالسجن مدى الحياة.
* 1987 - احتجت بريطانيا لدى إسرائيل على ما وصفته لندن بأنه إساءة استخدام "سلطات إسرائيلية" لجوازات سفر بريطانية مزيفة وقالت بريطانيا إنها تلقت تأكيدات من إسرائيل بعدم تكرار هذا الأمر.

في 1997 لم تنجح عملية اغتيال
القيادي خالد مشعل
* 1991 - اعتقل أربعة إسرائيليين خلال محاولة على ما يبدو لوضع أجهزة تنصت في سفارة إيران بقبرص. وأفرج عنهم لعدم كفاية الأدلة.
* 1997 - ألقت السلطات الأردنية القبض

على اثنين من أفراد الموساد بعد محاولة فاشلة لاغتيال خالد مشعل القيادي الكبير في حركة المقاومة الإسلامية (حماس). وتم ترحيل الاثنين إلى إسرائيل بعدما أفرجت إسرائيل عن أحمد ياسين مؤسس حماس الذي كان مسجونا.
* 1998 - تم الكشف عن مجموعة من الإسرائيليين تحاول التنصت على هواتف شخص يشتبه بأنه من أعضاء حزب الله في سويسرا. وتصدر جلسة مغلقة لمحكمة قرارا بسجن إسرائيلي وصفته وسائل إعلام بأنه ضابط بالموساد مع وقف التنفيذ وإلزامه بدفع غرامة. وأفرج عن ثلاثة من زملائه.
- وفي قبرص اعتقل شخصان يشتبه بأنهما ضابطان في الموساد واتهما بالتجسس على منشآت عسكرية حساسة. وأطلق سراح الاثنين بعدما قضيا تسعة أشهر في السجن.
* 2004 - أصدرت محكمة في أوكلاند بنيوزيلندا قرارا بسجن إسرائيليين اثنين لمدة ستة شهور بعدما اعترفا بمحاولة الحصول على جواز سفر نيوزيلندي مزيف. واشتبهت ولنجتون بأن الإسرائيليين من الموساد فأوقفت علاقتها مع إسرائيل احتجاجا على هذا الأمر. وتعتذر إسرائيل لنيوزيلندا بعد ذلك بعام وتستأنف العلاقات بين البلدين.
* 2010 - قالت شرطة دولة الإمارات العربية المتحدة إنها أصدرت مذكرات اعتقال دولية بحق مشتبه بهم في مقتل المبحوح ومن بينهم أشخاص يحملون جوازات سفر ألمانية وبريطانية وفرنسية وأيرلندية. وتحتجز الإمارات أيضا فلسطينيين اثنين للاشتباه بتورطهما في الأمر.
اول الجواسيس

ملكة جمال لبنان.. جاسوسة للموساد الإسرائيلي!!!!

"أحببت دوري في مسلسل "خطوة حب" لأنه كان الأول لي في الدراما" هكذا بادرت ملكة جمال لبنان السابقة نادين نجيم "الجريدة" التي التقتها في دردشة بعيد الانتهاء من تصوير مسلسلها الثاني "رجال الحسم" الذي يعرض على شاشة رمضان. تسير نادين بخطى ثابتة في طريق الفن الذي دخلته من بابه الأصعب أي من الأدوار المركبة والصعبة، وتعيش راهناًحالة من الترقب لمعرفة الأصداء حول "رجال الحسم" قبل أن تنطلق في مشاريع جديدة.


كيف تقيّمين تجربتك في "رجال الحسم؟
شعرت كأني أعيش واقعاً حقيقياً!!

مختلفة عما قدمته سابقاً، فأنا راضية عن أدائي وتفاعلت مع الأحداث بطريقة صحيحة وشعرت كأني أعيش واقعاً حقيقياً.
ماذا أكسبتك هذه التجربة؟
ثبتتني أكثر كممثلة في الدراما العربية، بالإضافة إلى أنني استمتعت بالعمل مع المخرج نجدت أنزور والمؤلف فايز بشير ومع منى واصف وباسل خياط ومجموعة من نجوم الشاشة السورية.
هل وجدت نفسك أكثر في "رجال الحسم" أم في "خطوة حب" الذي عرض سابقاً على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال؟
يختلف المسلسلان عن بعضهما في الشكل إنما يجتمعان على تصوير الواقع لذلك أجد نفسي في الإثنين.
ما أبرز مميزات الشخصيتين اللتين جسدتِهما في المسلسلين؟
في "خطوة حب"، جسدت شخصية داليا، فتاة مقعدة لكنها تتمتع بصفات لا تتوافر في الأشخاص الذين يتمتعون بجسم سليم، لذلك أردت إيصال رسالة إلى المشاهدين بألا يشفقوا على ذوي الاحتياجات الخاصة، بل أن يحترموهم لأنهم يملكون قدرات استثنائية تخوّلهم احتلال مراكز مهمة في المجتمع، أما في "رجال الحسم" فالقضية مختلفة إذ أجسّد شخصية جاسوسة للموساد الإسرائيلي.
ما الصعوبات التي واجهتها في "رجال الحسم"؟
الصعوبة الوحيدة التي واجهتني هي عدم قدرتي على إتقان اللهجة السورية، لذا اعتمدت لهجتي اللبنانية، بما أن الدور لا يفرض علي التحدث بالسورية ولم يصرّ المخرج على ذلك.
ما الذي جذبكِ الى المشاركة فيه؟
دوري فيه لأنه مركّب وصعب. على الرغم من أنه قد يستفزّ البعض لأنه يركّز على قوّة الشخصية، إلا أنني تحمست له لإثبات قدرتي على تجسيد الشخصيات المختلفة. كذلك جذبتني القصة التي تصوّر أجواء الفساد والجريمة التي تحيط بالعاملين في جهاز الموساد الإسرائيلي وانعكاس ذلك على عدالة القضية.
هل ثمة أصداء بدأت تتردد، علماً أن المسلسل ما زال في حلقاته الأولى؟
نعم وهي تثني عليه، لذا يمكنني القول إنني كسبت التحدي الذي خضته مع نفسي.
إلى أي مدى قد يؤثر تجسيدك دور امرأة تعمل مع الموساد الإسرائيلي في محبة الناس لك خصوصاً أنك في بداية مشوارك الفني؟
الشاشات تعيد عرض المسلسلات كافة بعد
انتهاء الشهر

لا يؤثر أبداً، فمعظم المشاهدين هم مثقفون والكتب التي تتناول الموساد الاسرائيلي منتشرة في كل مكان ولا شك في أنهم اطلعوا عليها، بالإضافة إلى أنهم يتمتعون بنسبة كبيرة من الوعي تخولهم التفريق بين الحقيقة والتمثيل.
ألا تخافين من عدم إيفاء المسلسل حقه في ظل زحمة المسلسلات الرمضانية؟
لا، لأنه يعرض على محطات مختلفة وفي أوقات متباعدة لذلك يسهل على المشاهد متابعته، ولأن الشاشات تعيد عرض المسلسلات كافة بعد انتهاء الشهر الفضيل وهو أمر إيجابي، خصوصاً أنه يصعب على المشاهد متابعة كل المسلسلات خلال رمضان والتي تتميز بانتاج ضخم وبمشاركة معظم النجوم على الساحة العربية.
هل أنت متابعة جيدة للدارما العربية؟
نعم، خصوصاً الدراما السورية، لكن تمنعني كثرة أعمالي وارتباطاتي من متابعة دراما رمضان وبالكاد استطيع مشاهدة "رجال الحسم".
ما الفرق بين الدراما السورية واللبنانية برأيك؟
لدينا في لبنان قدرات لا يستهان بها من ممثلين ومخرجين وكتّاب ومصوّرين... لكن الفارق الوحيد أن الموازنة التي تخصّص لأي عمل درامي سوري تفوق بأشواط موازنة أي عمل لبناني ما يؤثر في وضع الدراما اللبنانية بشكل كبير.
لماذا أنت بعيدة عن الدراما المصرية؟
لست بعيدة، ثمة عروض كثيرة إلا أنني أرفض الخوض في تفاصيلها حتى تصبح على أرض الواقع.
من هم الممثلون الذين تنتظرين أعمالهم؟
من سوريا باسل خياط وفايز قزق ومنى واصف... ومن مصر أحمد السقا ومي عز الدين ومي عبد العزيز ومنى زكي.
هل تقبلين بمشاركة ممثلة لبنانية بطولة عمل درامي عربي، علماً أننا سمعنا تصريحات صدرت عن نجمات لبنانيات تؤكد رفضهن بشكل قاطع هذا الأمر؟
لا يهمني الموضوع لأنه ليس لدي عقدة الأنا وأؤمن بأن كل شخص يأخذ نصيبه، وكما يقول المثل اللبناني "ما حدا بياخذ شي من درب حدا". لا أخاف أحداً في حين يخافني الآخرون.
هل تابعت لاميتا فرنجية في مسلسل "جمر الغضا"؟
أحب متابعة أعمال النجمات اللبنانيات!!

كلا، بسبب ضيق الوقت إلا أنني أحب متابعة أعمال النجمات اللبنانيات.
ماذا عن تقديم البرامج؟
أحببت تجربتي الأولى في تقديم برنامج beauty clinic على شاشة المستقبل واعتبرها ناجحة، لكني أضفت إليه أكثر مما أضاف إليّ. قد أكرر هذه التجربة مستقبلاً لكن بمضمون وأطر مختلفة. أصبحت أدرك أكثر كيفية اختيار الأعمال التي تناسب شخصيتي وموقعي.
هل تلقيتِ عروضاً في هذا الإطار؟
عرض علي تقديم برنامج على شاشة الـMTV إنما يصعب علي راهناً التوفيق بين عملي الخاص وبين التلفزيون.
ما نوعية البرامج التي تجذبك؟
برنامج "أوبرا" من تقديم أوبرا وينفري، لأنها تنوع في اختيار ضيوفها وفي مضمون حلقاتها، من الفن إلى المجتمع إلى الصحة والرياضة وغيرها، وتجيد الحوار بطريقة عفوية واحترافية. كذلك أتابع قناة "E" المتخصصة بالمشاهير وأخبارهم. أما على الصعيد المحلي تابعت "أحمر بالخط العريض" للإعلامي مالك مكتبي. تلفتني هذه النوعية من البرامج التي تعالج حالات واقعية موجودة في المجتمع لكنها بعيدة عن الأضواء.
يتردد أن ثمة مشروع زواج قريباً، ما صحة ذلك؟
غير صحيح، لا أعيش راهناً أي قصة حب، كان ثمة مشروع جدي لكنه لم يكلل بالنجاح.
ما مواصفات فتى أحلامك؟
أن يتمتع بالكرم والثقة بالنفس وأن يكون متفهماً ويعتني بمظهره الخارجي.
من يدعمك؟
الله تعالى وعائلتي.
ما هواياتك؟
المطالعة والرياضة والرقص وأنوي تعلم العزف على الغيتار قريباً.

مش معنى الكلام بتاع ملكه جمال لبنان انها كانت حقيقى

جاسوسه

لا هى عملة مسلسل بدور جاسوسه


ده توضيح علشان محدش ياخد بالعنوان



اشهر جواسيس الموساد الإسرائيلي في مصر
الجاسوس " محمد إبراهيم كامل" الملقب ب ماريو
خسر ورشته على الراقصات فكان الموساد ملاذه
بقلم / دكتور سميرمحمود قديح
الباحث في الشئون السياسية والأمنية

الحلقة الأولى :
منذ تفتحت عيناه على ضجيج الحياة في حي محرم بك المزدحم ذاب عشقاً في جرس الترام . . الذي كلما ملأ أذنيه خرج إلى الشرفة يبتسم في انبهار وحيرة .. فنشأت بينه – منذ طفولته – وبين الترام قصة غرام دفعته للهرب من مدرسته . . والسعي وراءه راكباً لجميع خطوطه المختلفة ومحطاته.
ولم يدم هذا الحب كثيراً إذ اندفع فجأة نحو السيارات فالتصق حباً بها . . والتحم عقله وقلبه الصغير بموتور السيارة مستغرقاً وقته كله.. حتى أخفق في دراسته الابتدائية. . وأسرعت به خطاه إلى أول ورشة لميكانيكا السيارات يمتلكها إيطالي يدعى الخواجة "روبرتو" الذي اكتشف هذا الحب الجارف بين الولد والموتور فعلمه كيف يتفاعل معه؟! ويفهمه ويستوعبه. ولم تكد تمضي عدة أشهر فقط إلا وكان محمد أشهر صبي ميكانيكي في ورشة الخواجة روبرتو.
كانت السيارات تقف موازية للرصيف بجوار الورشة بأعداد كبيرة. . تنتظر أنامل محمد الذهبية وهي تداعب الآلة المعدنية الصماء. . وتمر بين أجزائها في تناغم عجيب فتعمل بكفاءة ويتحسن صوت "نبض" الموتور .. ويزداد الصبي شهرة كل يوم. ورغم محاولات البعض استدراجه واستثمار خبرته وشهرته في عمل ورشة "مناصفة" بعيداً عن روبرتو، أجبروا على أن يتعاملوا معه كرجل لا كصبي في الخامسة عشرة من عمره. وكثيراً ما كان ينزعج عندما كان يخرج إلى الكورنيش مع أقرانه بسبب توقف السيارة ودعوة أصحابها له ليركب حتى منزله، فكبرت لدى الصبي روح الرجولة وارتسمت خطوطها المبكرة حيث كان مبعثها حبه الشديد للعمل والجدية والتفكير الطويل.
وبعد عدة سنوات كانت الأحوال والصور قد تغيرت.
صار الصبي شاباً يافعاً خبيراً بميكانيكا السيارات. تعلم اللغة الإيطالية من خلال الخواجة روبرتو والإيطاليين المترددين على الورشة وأصبح يجيد التعبير بها كأهلها.. فأطلق عليه اسم "ماريو".
وعندما لسعته نظرات الإعجاب من "وجيدة".. دق قلبه بعنف وانتبه لموعد مرورها أمام الورشة حين عودتها من المدرسة. فواعدها والتقى بها ولم يطل به الأمر كثيراً. . إذ تقدم لأسرتها وتزوجها بعدما أقنعتهم رجولته وسمعته الحميدة وشقته الجميلة في محرم بك.
ثمانية أعوام من زواجه وكانت النقود التي يكسبها تستثمر في ورشة جديدة أقامها بمفرده. ومنذ استقل في عمله أخذ منه العمل معظم وقته وفكره حتى تعرف على فتاة قاهرية كانت تصطاف مع أهلها بالإسكندرية وأقنعها بالزواج.. ولأنها كانت ابنة أسرة ثرية فقد اشترى لها شقة في الدقي بالقاهرة وأثثها.. وأقام مع عروسه "تغريد" لبعض الوقت ثم عاد إلى الإسكندرية مستغرقاً في عمله متنقلاً ما بين وجيدة وتغريد ينفق هنا وهناك. وعندما توقف ذات يوم على الطريق الصحراوي بالقرب من الرست هاوس بجوار سيارة معطلة. . أعجبته صاحبة السيارة ودار بينهما حوار قصير. . على أثره ركبت معه السيارة الرائعة إلى القاهرة .. وفي الطريق عرف أنها راقصة مشهورة في شارع الهرم .. سهر معها في الكباريهات وتنقل معها هنا وهناك. . ثم اصطحبته معها إلى شقتها. .واعترف ماريو أن هذه الراقصة كانت أول من دفعه والخطوة الأولى نحو حبل المشنقة. .

ويقول في اعترافاته التفصيلية. . *

في تلك الليلة شربت كثيراً وكلما رأيت جسد الراقصة المثير يرتعش أمام الزبائن ترتعش في جسدي خلجات الرغبة، وبعدما انتهت من فقراتها الراقصة في أربعة كباريهات . . عدنا إلى شقتها في المهندسين وبدلاً من أن أنام أو أذهب لشقتي حيث تنتظرني تغريد . . وجدتني أطوق خصرها بشدة وأطلب منها أن ترقص لي وحدي، فأبدلت ملابسها وعادت لي بلباس الرقص الشفاف الذي سلب عقلي وأفقدني الصواب.
وذهبت إلى تغريد التي وجدتها تشتاق إلى جيوبي قبلما تشتاق إلى .. فافتعلت مشاجرة معها وعدت ثانية إلى الراقصة التي استقبلتني فرحة .. ومنذ ذلك اليوم وأنا لا أكاد أفارقها أو أبتعد عنها لأواصل عملي في الورشة.
لقد استعنت ببعض الصبية الذين دربتهم على القيام بالعمل بدلاً مني .. فكنت أتغيب لعدة أيام في القاهرة وأعود لأجمع ما ينتظرني من مال لديهم . . وسرعان ما أرجع لأنفقه على الداعرات والراقصات . . ونساء يبعن بناتهن ورجال يبيعون لحم زوجاتهم من أجل جنيهات قليلة.
ولأن للفلوس مفعول السحر فقد كنت أعامل كملك . . لأنني أصرف ببذخ على من يحطن بي من فتيات ونساء أشبعنني تدللاً . . وصورنني كأنني الرجل الأول لديهن، فأطلقت يدي ومددتها إلى مدخراتي في البنك شيئاً فشيئاً حتى أصبح رصيدي صفراً وتحولت الورشة إلى خرابه بعدما سرق الصبيان أدواتها وهرب منها الزبائن.
حاولت أن أثوب إلى رشدي وكان الوقت قد فات، وخسرت سمعتي بعدما خسرت نفسي. . وأصبحت مصاريف وجيدة وتغريد تمثل عبئاً قاسياً على نفسي وأنا الذي لم يعضني الجوع أو تثقلني الحاجة من قبل . . فتألمت لحالي وقررت أن أخطو خطوة سريعة إلى الأمام وإلا . فالمستقبل المجهول ينتظرني والفقر يسعى ورائي بشراسة ولا أستطيع مجابهته.
استخرجت جواز سفر وحصلت على عناوين لبعض زبائني القدامى في إيطاليا وركبت السفينة الإيطالية "ماركو" إلى نابولي. . وبعدما رأيت أضواء الميناء تتلألأ على صفحة المياه صحت بأعلى صوتي تشاو .. تشاو نابولي.
وفي بنسيون قديم وقف أمامه صاحبه العجوز سألته هل زرت مصر من قبل؟ فقال الرجل لا . . ضحكت وقلت له أنني رأيتك في الإسكندرية منذ سنوات فجاءتني زوجته تسبقها حمم من الشتائم قائلة:
ماذا تريد أيها المصري من زوجي؟ أتظن أنك فهلوي؟ انتبه لنفسك وإلا . . ففي نابولي يقولون: إذا كان المصري يسرق الكحل من العين .. فنحن نسرق اللبن من فنجان الشاي. وكان استقبالاً سيئاً في أول أيامي في إيطاليا.
في اليوم التالي حاولت أن أتعرف على السوق وبالأخص أماكن بيع قطع الغيار المستعملة . ولكن صديقاً إيطالياً توصلت إليه أخبرني أن في "ميلانو" أكبر أسواق إيطاليا للسيارات القديمة والمستعملة . . وثمنها يعادل نصف الثمن في نابولي. فاتجهت شمالاً إلى روما وقطعت مئات الكيلو مترات بالقطار السريع حتى ميلانو .. وبالفعل كانت الأسعار هناك أقل من نصفها في نابولي.. والتقيت في ميلانو بأحد زبائني القدامى الذي سهل لي مهمتي. . ولفت انتباهي إلى أماكن بيع منتجات خان الخليلي في ميلانو بأسعار عالية.
ابتعت طلباتي من قطع غيار سيارات الفيات 125 غير المتوافرة في السوق المصرية وعدت إلى الإسكندرية وخرجت من الجمرك بما معي من بضائع بواسطة زبائني الذين يعملون في الدائرة الجمركية .. وقمت ببيع قطع الغيار بأضعاف ثمنها وذهبت إلى خان الخليلي واشتريت بعضاً من بضائعه وسافرت مرة ثانية إلى إيطاليا. . واعتدت أن أنزل ببنسيون "بياتريتشي" في روما ثم أتجه إلى ميلانو لعدة أيام .. أنجز خلالها مهمتي وأعود ثانية إلى روما ونابولي ثم إلى الإسكندرية.
اعتدت السفر كثيراً وبدأت الأموال تتدفق بين أصابعي من جديد .. واتسعت علاقاتي بإيطاليين جدد بالإضافة للأصدقاء القدامى الذين يكنون لي كل الود.
وفي ذات مرة وبينما كنت في خان الخليلي أنتقي بعض المعروضات التي أوصاني صديق إيطالي بشرائها. . سألتني فتاة تبيع في محل صغير عما أريده .. وساعدتني في شراء بضائع جيدة بسعر رخيص وتكررت مرات الذهاب للشراء بواسطتها ولما عرفت أنني أسافر إلى إيطاليا بصفة مستمرة عرضت علي أن تسافر معي ذات مرة. . لتشتري سيارة فيات مستعملة لتشغيلها تاكسياً في القاهرة. واطمأنت "زينب" وهذا هو اسمها – عندما أخبرتها أنني أعمل ميكانيكياً وأقوم بالإتجار في قطع الغيار. وتركتها لتجمع المبلغ المطلوب ثم أرسل لها من إيطاليا لأنتظرها هناك.
أراد أصدقائي الإيطاليين أن أظل بينهم وأمارس عملاً ثابتاً أحصل بمقتضاه على إقامة في إيطاليا. وقد كان. . إذ سرعان ما وجدوا لي عملاً في شركة "راواتيكس". . وبعدما حصلت على تصريح عمل وإقامة .. لم تتوقف رحلاتي إلى الإسكندرية . . فالمكسب كان يشجع على السفر بصفة مستمرة لكي أعرف احتياجات سوق قطع غيار السيارات في مصر . . والذي كان يمتصها بسرعة فائقة.
وفي إحدى هذه السفريات وبينما كنت في مطار روما تقابلت بالصدفة مع صديق إيطالي قديم – يهودي – كانت بيننا "عشرة" طويلة واسمه "ليون لابي" فتبادلنا العناوين، وبعد عدة أيام جاءتني مكالمة تليفونية منه وتواعدنا للقاء في مطعم مشهور في ميلانو.
أشفق "لابي" كثيراً على حالي بعدما شرحت له ظروفي وتعثراتي المالية وزواجي من امرأتين ..
وسألته أن يتدبر صفقة تجارية كبيرة أجني من ورائها أموالاً طائلة . . فضحك "لابي" وقبل أن يقوم لينصرف ضربني على ظهر يدي وقال لي:
"لا تقلق ماريو . . غداً سأجد لك حلاً، لا تقلق أبداً".
الوقوع في المصيدة:

في اليوم التالي وفي الثامنة مساء وقفت مرتبكاً للحظات أمام الباب المغلق. . ثم نزلت عدة درجات من السلم وأخرجت علبة سجائري وأشعلت سيجارة . . وعندئذ سمعت وقع خطوات نسائية بمدخل السلم فانتظرت متردداً. . وعندما رأيت الفتاة القادمة كدت أسقط على الأرض.
كانت هي بنفسها الفتاة التي واقعتها في شقة "لابي" لكن ابتسامتها حين رأتني مسحت عني مظاهر القلق وهي تقول:
بونجورنو…
فرددت تحيتها بينما كانت تسحبني لأصعد درجات السلم ولا زالت ابتسامتها تغطي وجهها وقالت في دلال الأنثى المحبب:
- أنا لم أخبر سنيور لابي بما حدث منك ..
قلت في ثقة الرجل:
- لماذا؟ ألم تهدديني بالانتحار من النافذة؟
بهمس كأنه النسيم يشدو:
- أيها الفرعوني الشرس أذهلتني جرأتك ولم تترك لي عقلاً لأفكر .. حتى أنني كنت أحلم بعدها بـ "أونالترا فولتا"، لكنك هربت!!
قلت لها:
- ياليتني فهمت ذلك.
وانفتح الباب وهي تقول:
- هل ترفض دعوتي على فنجان من القهوة الإيطالية؟
ووجدت نفسي في صالة القنصلية الإسرائيلية والفتاة لا زالت تسحبني وتفتح باب حجرة داخلية لأجد "لابي" فجأة أمامي. قام ليستقبلني بعاصفة من الهتاف:
ميو أميتشو . . ماريو . . أهلاً بك في مكتبك.
وهللت الفتاة قائلة:
تصور . . تصور سنيور لابي أنه لم يسألني عن اسمي؟
قهقه لابي واهتز كرشه المترهل وهو يقول بصوت جهوري:
شكرية . .شكرية بالمصري سنيور ماريو تعني: جراتسيللا.
واستمر في قهقهته العالية وصرخت الفتاة باندهاش:
أيكون لاسمي معنى بالعربية؟ اشرحه لي من فضلك سنيور ماريو.
وكانت تضحك في رقة وهي تردد:
شوك . . ريا . . شوك . . ريا . جراتسيللا شوك .. ريا.
ولم يتركني لابي أقف هكذا مندهشاً فقال للفتاة:
- أسرعي بفنجانين من الـ "كافي" أيتها الكافيتييرا جراتسيللا.
واستعرض لابي في الحديث عن ذكرياته بالإسكندرية قبل أن يغادرها إلى روما في منتصف الخمسينيات. . وأفاض في مدح جمالها وشوارعها ومنتزهاتها. . ثم تهدج صوته شجناً وهو يتذكر مراتع صباه وطال حديثنا وامتد لأكثر من ساعتين بينما كانت سكرتيرته الساحرة جراتسيللا لا تكف عن المزاح معي وهي تردد:
شوك . . ريا .. سنيوريتا شوك . . ريا . .
وعندما سألتني أين أقيم فذكرت لها اسم الفندق الذي أنزل به. . فقالت وكأنها لا تسكن ميلانو:
- لم أسمع عن هذا الفندق من قبل.
رد لابي قائلاً:
- إنه فندق قديم غير معروف في الحي التاسع "الشعبي".
قالت في تأفف:
- أوه . . كيف تقيم في فندق كهذا؟
قال لابي موجهاً كلامه إليها:
- خذيه إلى فندق "ريتزو" وانتظراني هناك بعد ساعتين من الآن.
وربت لابي على كتفي في ود وهو يؤكد لي أنه يحتاجني لأمر هام جداً لن أندم عليه وسأربح من ورائه الكثير.
وركبت السيارة إلى جوار جراتسيللا فانطلقت تغني أغنية "بالوردو بيلفا" أي "أيها الوحش الضاري" وفجأة توقفت عن الغناء وسألتني:
هل تكسب كثيراً من تجارتك يا ماريو؟
قلت لها:
بالطبع أكسب . . وإلا . . ما كنت أعدت الكرة بعد ذلك مرات كثيرة. .
- كم تكسب شهرياً على وجه التقريب؟
- حوالي ستمائة دولار.
قالت في صوت مشوب بالحسرة:
وهل هذا المبلغ يكفي لأن تعيش؟ إن لابي يشفق لحالك كثيراً سنيور ماريو.
- سنيور لابي صديقي منذ سنوات طويلة .. وأنا أقدر له ذلك. -
- إنه دائماً يحدثني عن الإسكندرية .. له هناك تراث ضخم من الذكريات . .!!
وفي فندق ريتز .. صعدنا إلى الطابق الثاني حيث حجزت لي جراتسيللا جناحاً رائعاً وبينما أرتب بعض أوراقي فوجئت بها تقف أمامي في دلال وبإصبعها تشير لي قائلة:
"أونالترا فولتا" أيها المصري وهذه المرة "للإيطاليا نيتا" . . "محبة الوطن الإيطالي".
وغرست أظافرها بجسدي بينما كنت أرتشف عبير أنوثتها وأتذوق طعمها الساحر وكانت لا تكف عن الهتاف:
ليوباردو . .ليوباردو .. ماريو إيجتسيانو .
وعندما جاء لابي كان من الواضح أننا كنا في معركة شعواء انتهينا منها تواً.. أخرج من جيبه مظروفاً به خمسمائة دولار وقال لي إنه سيمر علي صباح الغد. .
وأوصاني أن أنام مبكراً لكي أكون نقي الذهن. وانصرفا بينما تملكتني الأفكار حيرى. . ترى ماذا يريد مني؟ وما دخلي أنا فيما يريده لابي؟؟
وفي العاشرة والنصف صباحاً جاء ومعه شخص آخر يتحدث العربية كأهلها اسمه "ابراهيم" . . قال عنه لابي إنه خبير إسرائيلي يعمل في شعبة مكافحة الشيوعية في البلاد العربية.
رحب ابراهيم بماريو وقال له بلغة جادة مفعمة بالثقة:
- إسرائيل لا تريد منك شيئاً قد يضرك . .فنحن نحارب الشيوعية ولسنا نريدك أن تخون وطنك. . مطلقاً. . نحن لا نفكر في هذا الأمر البتة. وكل المطلوب منك.. أن تمدنا بمعلومات قد تفيدنا عن نشاط الشيوعيين في مصر وانتشار الشيوعية وخطرها على المنطقة.
وأردف ضابط المخابرات الإسرائيلي:
- كل ذلك لقاء 500 دولار شهرياً لك.
وعندما أوضحت له أنني لا أفهم شيئاً عن الشيوعية أو الاشتراكية. وأنني أريد فقط أن أعيش في سلام. ذكرني لابي بأحوالي السيئة بالإسكندرية والتي أدت إلى تشتتي هكذا بعدما كنت ذا سمعة حسنة في السوق. واعتقدت أنني يجب ألا أرفض هذا العرض. . فهي فرصة عظيمة يجب استغلالها في وسط هذا الخضم المتلاطم من الفوضى التي لازمتني منذ أمد .. وتهدد استقرار حياتي.
الحلقة الثانية :
الحصار في روما :
عندما تسلمت زينب الرسالة الوافدة من إيطاليا، لم تكن تصدق أن يهتم بها هذا العابر المجهول إلى هذا الحد.
كانت قد نسيته بعدما مرت عدة أشهر منذ التقت به في خان الخليلي حيث تعمل بائعة في محل للأنتيكات والتحف. وبعدما تردد عليها عدة مرات عرضت عليه السفر معه إلى إيطاليا لتشتري سيارة لتشغيلها سيارة أجرة في القاهرة .. فوعدها بأن يساعدها ثم اختفى فجأة ولم يعد يذهب إليها . . حتى جاءتها رسالته تحمل طابع البريد الإيطالي وعنوانه وتليفونه هناك.
أسرعت زينب بالخطاب إلى خالها الذي يتولى أمرها بعد وفاة والديها، ولكنه عارض الفكرة وعندما رأى منها إصراراً رضخ للأمر ووافقها..
سنوات وزينب تحلم بالسفر إلى الخارج للعمل. لقد بلغت الرابعة والعشرين من عمرها، ولم ترتبط بعد بعلاقات عاطفية تعوق أحلامها. لذلك تفوقت في دراستها بكلية الآداب – جامعة عين شمس وعشقت اللغة الإنجليزية عشقاً كبيراً. . والتحقت بعد الجامعة بالعمل في خان الخليلي بالقرب من بيتها في شارع المعز لدين الله بحي الجمالية. . حيث مسجد الحسين ورائحة التاريخ تعبق المكان وتنتشر على مساحة واسعة من الحي القديم العريق.
حجزت زينب تذكرة الطائرة ذهاباً وإياباً على طائرة مصر للطيران .. وبحقيبتها كل ما لديها من مال وفرته لمثل هذه الفرصة. وفي مطار روما كان ماريو بانتظارها يملؤه الشوق لأول الضحايا الذين سيجندهم للعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية.
وعندما رأته كانت كمن عثر على شيء ثمين. إذ صدمتها اللغة الإيطالية التي لا تعرف منها حرفاً واحداً. . وسرت كثيراً عندما وجدت ماريو يتحدث بها "كالطليان" أصحاب البلد. اصطحبها إلى فندق رخيص في روما ثم تركها لتستريح وذهب هو إلى مسكنه ليرتب خطة تجنيدها التي رسم خطوطها عدة مرات. .
وفي الصباح ذهب إلى الفندق حيث كانت الفتاة تنتظره فأخذها في جولة رائعة بسيارته لمنتزهات روما وأماكنها السياحية. ثم ذهب بها في اليوم التالي إلى أماكن بيع السيارات المستعملة. معتمداً أن يرفع لها أسعار السيارات مستغلاً جهلها باللغة الإيطالية. . واعتمادها عليه أولاً وأخيراً.
وتعمد أيضاً أن تطول مدة إقامتها في روما للبحث عن فرصة شراء سيارة أفضل وأرخص وأقنعها بشراء فيات 125 دفعت فيها معظم ما تملكه من مال. . وما تبقى معها كان يكفي بالكاد مصاريف الشحن إلى الإسكندرية.
وصدمت الفتاة بعدما تبين لها أن فاتورة الفندق امتصت النصيب الأكبر من نقودها .. ولم تعد تملك مصاريف الشحن كاملة. لقد خدعها ماريو عندما ذكر لها أرقاماً تقل بكثير الحقيقة عند شحن السيارة.
تركها ماريو لعدة أيام دون أن يتصل بها بحجة أنه كان في ميلانو. وبكت زينب في حرقة وهي تحكي له عن حالها. . وكيف إنها لم تعد تملك أية أموال لتعود إلى مصر بالسيارة الواقفة أمام الفندق ومتوسلة أن يساعدها فوعدها بذلك.
ومرت ثلاثة أيام أخرى كانت زينب قد باعت حليها ولم تتبق معها سوى ساعة يدها الجوفيال التي لا تساوي شيئاً يذكر.
حاصرها ماريو جيداً وأفقدها التفكير واستعمل معها أسلوب "صيد الغزلان" بأن أغلق أمامها كل الطرق.. وترك لها فتحة ضيقة لتنفذ منها إلى شبكته لتقع فيها ولا تخرج. وظهر لها فجأة بعد غياب عدة أيام معتذراً بشدة .. واصطحبها للعشاء بأحد المطاعم الراقية. . وبعد أن جلسا عزفت الموسيقى مقطوعة إيطالية شهيرة عنوانها "مولتي جراتسي ميو أميتشو" أي "شكراً جزيلاً يا صديقي" فقالت زينب لماريو:
طلبت منك قرضاً أرده لك في مصر فلم تجبني.
اعتدل ماريو في مقعده وقال بسرعة:
نعم . . نعم . . لا مشكلة إذن . . بعد غد سأتلوى شحن سيارتك إلى الإسكندرية.
ولِم بعد غد؟
مشغول أنا غداً. . ولا أملك وقتاً مطلقاً "قالها ماريو وتعمد ألا ينظر لوجهها".
لقد وعدتني أن تدبر لي عملاً هنا في روما. فإن ذلك سيعفيك من إقراضي أية أموال.
ماذا تقولين؟ ألم أخبرك أنني أبحث بالفعل عن عمل مناسب لك؟
أنت تقول "قالتها زينب مليئة بالحسرة والإحساس بالندم"
فما كان من ماريو إلا أن أجاب:
عموماً . . بعد غد ستكون سيارتك على ظهر السفينة. أفهمت؟
وفي تلك اللحظة .. اقترب منها رجل وسيم تعدى الخمسين بقليل وقال بالإنجليزية بأدب جم:
أتسمحان لي بأن أطلب من إدارة المطعم إغلاق جهاز التكييف الحار حتى لا نصاب جميعاً بالبرد عند الخروج؟
ردت زينب في حماس بالغ ممزوج بالعرفان:
تفضل . . وشكراً يا سيدي
أردف الرجل قائلاً:
معذرة . . هل أنت تونسية؟
أجابته بأن لكنتها تدل على ذلك وضحكت وقالت في افتخار:
أنا من الجمهورية العربية المتحدة. من القاهرة.
هتف الرجل سعيداً:
أوه . .ناسر . . يا له من زعيم عبقري.
وفي حركة مسرحية سريعة مد الرجل يده إلى محفظته.. وأخرج منها صورة لعبد الناصر يشرب من "القلة" ويجلس على الأرض بجوار صلاح سالم وأردف قائلاً:
تمنيت أن أراه وأصافحه ذات يوم. فهل يتحقق لي ذلك؟
تعال إلى القاهرة يا سيدي وأعتقد أن ذلك ليس بالشيء الصعب.
هكذا قالت زينب بفخر، وهي تتكلم الإنجليزية بطلاقة. .، وتكلم ماريو يخاطب الرجل بالإيطالية:
أنتم تكرهون ناصر في الغرب . . وفي الشرق تتوقف الحياة تماماً حينما يتكلم .. تناقض غريب.
أجاب الرجل في بشاشة:
نعم يا سيد .. ؟
ماريو . . ماريو إيجتسيانو "ماريو المصري".
نعم . . نعم سنيور ماريو هذه حقيقة لا ننكرها.. فمنذ أزمة القناة والغرب لا ينسى ذلك لناصر أبداً.
واعترضت زينب على حوارهما بالإيطالية فقال لها ماريو إن لغته الإنجليزية ضعيفة جداً .. وجاءت فاتورة الحساب ففوجئت زينب بالرجل الغريب يصر على دفعها.. وعندما تمسك ماريو برأيه قال الرجل:
إذن .. هلا قبلتما دعوتي على العشاء غداً؟
أجاب ماريو موافقاً بينما تحرجت زينب ثم فاجأهما ماريو بإعلان اعتذاره لارتباطه طوال الغد .. فأبدى الرجل الأنيق تفهمه ونظر إلى زينب فتراجعت الكلمات على لسانها .. عندها لم يمهلها وقتاً طويلاً لتفكر وقال موجهاً حديثاً إليها أنه سيلتقي بها في الثامنة مساء الغد في مطعم "فريسكو" .. فقالت زينب في اضطراب "بعدما نظر إليها ماريو موافقاً" إنها لا تعرف الأماكن جيداً. وبدأ الرجل سيلاً من الأسئلة عن جوانب حياتها فأجابته زينب بحسن نية وأخيراً قال لها في دبلوماسية شديدة تدل على خبرة عالية في إدارة حوار:
لقاء الغد ستترتب عليه أشياء كثيرة مهمة لكلينا .. !!
وبعد انتهاء السهرة صحبهما بسيارته الفارهة وأنزل زينب أمام فندقها وانصرف. . وقضت هي وقتاً طويلاً تفكر فيما يقصده بعبارته الأخيرة. وماذا سيترتب عليها من أشياء مهمة؟؟
وفي مساء اليوم التالي كان في انتظارها بردهة الفندق كما اتفقا بالأمس . . وأخذها في جولة ليلية بنوادي روما وشوارعها ثم ذهبا معاً إلى مطعم فريسكو الشهير .. حيث الأنواع الغريبة من الأسماك والمحار وكائنات بحرية مدهشة.
كان الرجل قد التمس مكاناً هادئاً في ركن بعيد وتوقعت زينب بأنه من زبائن المطعم المعروفين، للاحترام الجم الذي قوبل به. ولكنه انتشلها من حيرتها وقال لها بحرارة:
آنسة زينب .. منذ الأمس وأنا في حيرة شديدة. . وكما تعلمين فأنا رجل أعمال بريطاني معروف . . والذي لا تعرفينه أنني انفصلت عن شريك لي منذ مدة قصيرة .. وكنت أنوي توسيع أعمالي في لندن لكن أشار علي البعض باستثمار مشاريع إنمائية في جنوب أفريقيا . وقمت بالفعل بالسفر إلى جوهانسبرج وزيارة كيب تاون وحصلت على بعض تقارير اقتصادية لتساعدني في اتخاذ قراري. حتى كان لقاء الأمس الذي سبب لي حيرة شديدة فبرغم حبي لناصر إلا أنني لم أفكر من قبل في السفر إلى القاهرة لدراسة السوق المصرية وإقامة بعض مشروعاتي بها.
وتنهد الرجل فيما يشبه إحساساً بالندم وأردف:
إنني الآن – وبإصرار وثقة – أريد اقتحام السوق العربية من خلال مصر. ومن خلالك أنت.
قالت له زينب في دهشة:
من خلالي أنا؟
نعم . . فأنت مصرية وجامعية طموحة .. تملكين اللغة العربية والإنجليزية والثقافة. . ويمكنني الاعتماد عليك في إعداد تقرير اقتصادي عن أحوال مصر الاقتصادية ومشاكل التنمية بها ومعوقات السوق. ومن خلال هذا التقرير سأقرر ما إذا كنت أستطيع إقامة مشاريع إنمائية في مصر من عدمه. ولذلك فهذا الأمر مهم بالنسبة لي ولك .. لأنك ستكونين مديرة لفرع القاهرة وتملكين حق اتخاذ قرارات لصالح مؤسستنا.
انفرجت أسارير زينب وهللت بشراً وسعادة لهذا الخبر المنهمر الذي أغدق عليها فجأة. كانت تجلس أمامه ولا تملك بحقيبة يدها سوى ستة وعشرين دولاراً وبضع ليرات إيطالية لا تكفي ليوم آخر في روما. . واغرورقت عيناها بدموع الفرح عندما فاجأها قائلاً:
ومنذ اليوم سيكون راتبك ثلاثمائة دولار شهرياً.
صرخت بأعماقها لا تصدق أن غيمة النحس قد انقشعت . . وأن الحياة عادت لتضحك من جديد.. لقد مرت بها سنوات من الجوع والحرمان والحاجة .. وكلما ارتقت درجة من درجات الأمل انزلقت إلى الوهم وأحلام الخيال. الآن جاءت أحلام الواقع لتزيح أمامها الأوهام فتتراجع القهقري.
كانت تبدو من قبل وكأنها تغرق في لجج من ماء ذي قوام .. الآن تطير في سماوات من الصفو اللذيذ. أخيراً تحقق الحلم الذي طال انتظار اليتيم له. حلم ليس بالمستحيل ولكنه كان المستحيل نفسه.
يا الله.
قالتها زينب وهي تتنهد فتغسل صدرها الصغير من تراكمات اليأس وخيوط الرجاء.
أوصلها الرجل إلى الفندق بعدما منحها 600 دولار مرتب شهرين ودفع عنها حساب الفندق. وفوجئت زينب بماريو يسرع بحشن سيارتها ودفع مصاريفها ويودعها بالمطار.
وفي مقعدها بالطائرة أغمضت عينيها وجلست تفكر في أمر ماريو. لقد أخبرته بأمر الرجل فأظهر موافقته. وبرغم كونه تاجراً لم يأخذ منها مصاريف الشحن . . بل ألح عليها كثيراً لكي تأخذ منه مائة دولار في المطار. وسلمها حقيبة هدايا بها علبة ماكياج كاملة وزجاجتا بارفان وحزام جلدي أنيق.
تشككت زينب في هذه الأمور وأخذت من جديد تستعرض شريط ما مر بها في روما. وتذكرت الدورة الإرشادية التي حضرتها في أحد مدرجات جامعة القاهرة قبل سفرها بأيام. كان المحاضر يشرح أساليب الموساد في اصطياد المصريين في الخارج. ولأن ماريو مصري مثلها ومجريات الأمور كلها كانت شبه طبيعية.. فقد طردت وساوسها التي تضخمت إلى حين .. وقررت أمراً في نفسها.
وفي مطار القاهرة انتحت بأحد الضباط جانباً وسألته سؤالاً واحداً. وفي اليوم التالي . . كانت تستقل سيارة صحبتها إلى مقر جهاز المخابرات المصرية.. قالت كل شيء بدقة وسردت تفاصيل رحلتها إلى إيطاليا وكيف خدعها ماريو لتنفق كل ما لديها من نقود. وحكت ظروفها النفسية السيئة التي مرت بها وكيفية تقرب رجل الأعمال البريطاني منها في تلك الظروف. وكيف شحن ماريو سيارتها إلى الإسكندرية على نفقاته.. وهو التاجر الذي يسعى للكسب. . ؟ بل إنه عرض عليها مائة دولار أخرى. ولماذا لم يعطها رجل الأعمال عنوانه في بريطانيا لتراسله وتبعث إليه بالتقارير التي طلبها؟ لقد أخبرها أن ماريو سيسافر إلى القاهرة عما قريب وعليها أن تسلمه التقرير الاقتصادي الوافر الذي ستعده عن مصر.
وتذكرت زينب أيضاً كيف أن ماريو طلب منها في المطار أن تهتم جيداً بالعمل الذي أوكل إليها ولا تهمله. وعندما سألته هل لديك عنوان مكتب رجل الأعمال ؟!! أجاب بنعم في حين أنه من المنطقي أن يكون معها عنوانه. لقد سلمها 600 دولار وهي بلا شك لقاء قبولها التجسس على وطنها.
صراع العقول :
وفوجئت زينب بما لم تتوقعه على الإطلاق . .صور عديدة لها مع ماريو . .قال ضابط المخابرات المصري أن المخابرات العربية على علم بأمره . . وتراقب تحركاته وتنتظر دليل إدانته وقال لها أيضاً :
إن إسرائيل منذ قيامها في عام 1948 وهي تسعى بشتى السبل لمعرفة كل ما يجري في البلاد العربية من نمو اقتصادي وتسلح وما لديها من قوات وعتاد .. ولذلك لجأت لشراء ضعاف النفوس والضمائر وجعلتهم يعملون لحسابها.. وينظمون شبكات التجسس المتعددة في العواصم العربية. . حتى إذا كشفت واحدة تقوم الأخرى مكانها وتتابع نشاط جواسيسها. وتنفق إسرائيل الملايين على هذه الشبكات للصرف عليها.
وأن السبب الرئيسي لسقوط بعض الأفراد في مصيدة المخابرات الإسرائيلية هو ضعف الحالة المادية. وبالإضافة إلى الأموال الطائلة التي تنفقها الموساد على عملائها. . فإنها تغرقهم أيضاً في بحور الرغبة وتشبع فيهم نزواتهم . . وبذلك تتم له السيطرة عليهم.
لذا .. فقد أعلنت المخابرات المصرية في يناير عام 1968 بأنها ستساعد كل من تورط مع العدو .. ووقع في فخ الجاسوسية بالإغراء أو التهديد. وأنها على استعداد للتغاضي عن كل ما أقدم عليه أي مواطن عربي .. إذا ما تقدم بالإبلاغ عن تورطه مع الموساد مهما كان منغمساً في التجسس . . وذلك لتفويت الفرصة على المخابرات الإسرائيلية. ووعد الزعيم جمال عبد الناصر صراحة بحماية كل من تورط بالتجسس لأي سبب. وقد أسفرت هذه الخطة عن تقدم سبعة مصريين إلى جهاز المخابرات المصرية يعترفون بتورطهم ويشرحون ظروف سقوطهم.
وأضاف الضابط:
لقد تكلمنا مع ماريو عدة مرات من قبل . . وأفهمناه بطريقة غير مباشرة بأننا على استعداد لمساعدة المتورطين دون أن يعاقبوا. لكن يبدو أنه استلذ أموال الموساد. وسيسقط على يديك يا زينب لأننا سنحصل على دليل إدانته من خلالك.
ووضعت المخابرات المصرية خطة محكمة لاصطياد ماريو..
وفي أول اتصال هاتفي من روما بعد أيام من وصولها.. أخبرته زينب بأنها مشغولة "بترجمة الكتاب" – وهو مصطلح سبق لهما أن اتفقا عليه – وعندما سألها عن المدة التي تكفي لإنجاز "الترجمة" لأنه ينوي المجيء لمصر بعد يومين طلبت منه – حسب الخطة – أن يتأخر عدة أيام حتى تنجز العمل.
اطمأن ماريو وصديقه لردود زينب .. وقنعا بأنها منهمكة في إعداد التقرير . . فلو أن هناك شيء ما يترتب في الخفاء لما ترددت في إيهامه بأنها أنجزت ما طلب منها ..
وفي مكالمة أخرى بعدها بثمانية أيام . . زفت النبأ الذي ينتظره . . وينتظره أيضاً رجال الموساد في روما. . وعلى ذلك أكد لها بأنه سيصل إلى القاهرة عما قريب.
سقوط الجاسوس “ ماريو “ :
وبعد اللقاء المسجل بالصوت والصورة. اتجه الخائن إلى شارع نوال بالدقي حيث شقة زوجته تغريد. فمكث معها يوماً واحداً وحمل كاميرته الخاصة التي تسلمها من الموساد وركب إلى الإسكندرية بالطريق الزراعي . . يصور المنشآت الجديدة التي تقوم على جانبي الطريق . . ويراقب أية تحركات لمركبات عسكرية أو شاحنات تحمل المدرعات . . وأمضى مع زوجته وجيدة عدة ساعات ثم عاد إلى القاهرة مرة ثانية بالطريق الصحراوي .. وكرر ماريو هذا السيناريو لمدة أسبوع بشكل متصل..
كان إخلاصه للموساد قوياً كعقيدة الإنسان أو إيمانه بمبدأ ما.. فآلاف الدولارات التي حصل عليها من الموساد بدلت دماءه وخلايا مصريته وأعمته عن عروبته.. وجعلت منه كائناً فاقد الهوية والشعور .. بل كان لأموال إسرائيل الحرام فعل السحر في قلبه وزعزعة ثوابت إسلامه. فلقد نسي أن اسمه محمد ابراهيم فهمي كامل . . مسلم .. من مصر . . وأن ماريو ليس اسمه الحقيقي الذي ينادى به. وفي إيطاليا كثيراً ما مر على مساجد روما – دون
قصد – فكان يتعجب ويتساءل: ماذا يعني الدين والأنبياء والرسل؟
وعندما اتصلت به معشوقته جراتسيللا – عميلة الموساد – تستقصي أخباره وأخبار ضحيته زينب أجابها بأن كل شيء على ما يرام. وحدد لها ميعاد سفره إلى إيطاليا. وبعدما أنهت زينب إجراءات الإفراج الجمركي عن سيارتها . . استعدت "هكذا ادعت له" للسفر معه. . فأخبرها بموعد الطائرة وأنه سيمر عليها ليصحبها إلى المطار.
وقبل السفر بعدة ساعات كان ماريو قد أعد أدواته. . وخبأ الأفلام التي صورها بجيوب سرية داخل حقائبه ونزع البطانة الداخلية لها وأخفى التقارير السرية التي أعدها بنفسه ثم أعاد إلصاقها مرة ثانية بإحكام فبدت كما كانت من قبل. ومن بين تلك التقارير كان تقرير زينب الذي كان لدى المخابرات المصرية صورة عنه.
وبينما كان ماريو يغادر منزله بالدقي في طريقه إلى زينب ثم إلى المطار. . فوجئ بلفيف من الأشخاص يستوقفونه .. وأقتيد إلى مبنى المخابرات وأمام المحقق أنكر خيانته لكن الأفلام والتقارير التي ضبطت كانت خير دليل على سقوطه في وكر الجاسوسية . . فاعترف مذهولاً بعمالته للموساد .. وأمام المحكمة العسكرية وجهت إليه الجرائم الآتية:
الحصول على أسرار عسكرية بصورة غير مشروعة وإفشاؤها إلى المخابرات الإسرائيلية.
الحصول على مبلغ "7 آلاف دولار" مقابل إفشاء الأسرار لدولة معادية "إسرائيل".
التخابر مع العدو لمعاونته في الإضرار بمصر في العمليات الحربية.
تحريض مواطنة مصرية على ارتكابها التخابر .. والحصول على أسرار هامة بقصد إفشائها للعدو.
وبرئاسة العميد أسعد محمود إسماعيل وعضوية المقدم فاروق خليفة والمقدم أحمد جمال غلاب بحضور ممثل النيابة العسكرية والمقدم عز الدين رياض صدر الحكم في مايو 1970 بإعدام ماريو شنقاً بعد أن كرر الخائن اعترافه بالتجسس على وطنه. . مبينا الأسرار العسكرية مقابل سبعة آلاف دولار. وصدق رئيس الجمهورية على الحكم لعدم وجود ما يستدعي الرحمة بالجاسوس. لم تنس المخابرات المصرية الدور الكبير الذي لعبته زينب للإيقاع بالخائن ماريو واصطياده إلى حيث غرفة الإعدام ومشنقة عشماوي في أحد سجون القاهرة.
وكانت زينب بالفعل – أول مصرية – تصطاد جاسوساً محترفاً في روما . . لإعدامه في القاهرة.!!

_____



_____




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://zohor-mostaqble.ahlamontada.net/index.htm
سيد جمال
عضو فعال
عضو فعال


ذكر
عدد المساهمات: 130
مزاجي اليوم:
المهنة:
الهواية:
أوسمة العضو:
نقاط: 7379
السٌّمعَة: 11
تاريخ التسجيل: 12/09/2009

مُساهمةموضوع: رد: جواسيس الموساد الاسرائيلى   الجمعة يونيو 11, 2010 7:45 pm

جامد جامد ومنتظر باقى الحلقات يادرش ويارب ما تتاخر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Mostafa
مراقبـ
مراقبـ


ذكر
عدد المساهمات: 2607
العمر: 18
العمل/الترفيه: لعب كرة القدم
فصل: 1/5 ث وبلا فخر
المزاج: راااااااااااااااايق!!
مزاجي اليوم:
المهنة:
الهواية:
أوسمة العضو:
نقاط: 12748
السٌّمعَة: 33
تاريخ التسجيل: 18/01/2010

مُساهمةموضوع: اشرس جواسيس الموساد يسقط في بغداد بقلم   الجمعة يونيو 11, 2010 8:57 pm

عيزرا خزام

بانكشاف أمر الدكتور عيزرا خزام وأعوانه، توالى سقوط شبكات الموساد في العراق، نتيجة الخطأ الجسيم في نظام الاتصال بين الشبكات.

ذلك الخطأ الذي أفاد العراقيين، ومكنهم بسهولة من كشف تسع شبكات دفعة واحدة، مما أحدث فراغاً مخابراتياً كبيراً في إسرائيل، بسبب توقف سيل المعلومات عن الحياة المختلفة في العراق.

كان "عيزرا ناجي زلخا" أحد هؤلاء الرؤوس.. واحداً من أشرس الجواسيس وأمهرهم، الذين قادوا الصراع بالأدمغة بين المخابرات الاسرائيلية والمخابرات العراقية. .

فهو يهودي عراقي، ماكر كالثعلب، وديع كالأرنب، شرس كالنمر ذو ألف مخلب، سهل جداً أن يتلون كالحرباء وفقاً للظروف والمواقف، لكنه على كل حال ثعباني الخطر، قلما يفلت مخلوق من لدغته.

ولد عيزرا ناجي زلخا بالموصل شمالي العراق أو يناير 1927، وحصل على شهادة متوسطة أهلته للعمل موظفاً في أرشيف وزارة التجارة ببغداد.

تعرف بمعلمة يهودية اسمها "ملاذ" في المعبد اليهودي، لا تحمل قدراً كبيراً من الجمال، لكنها رقيقة تفيض عذوبة وحناناً. . فأحبها بإخلاص وتزوجا عام 1952، وعاشا معاً هانئين ترف حولهما السعادة، الى أن أصيبت فجأة بالحمى التيفودية التي سرعان ما فتكت بها، ورحلت بعد عام واحد من الزواج، فعاش حياته من بعدها وحيداً، مهموماً، منشغلاً عن متع الحياة بالسباحة في بحر الذكريات.

أشفق عيله نفر من صحبه، وفي محاولة لمساعدته ليخرج من محنته، دفع دفعاً للعمل فترة مسائية بأحد المختبرات الطبية، فاستنزفه العمل ليل نهار، لكنه برغم ذلك، ظل وفياً لزوجته الراحلة، لم يغتنم فرصة واحدة للتجاوب مع اية امرأة أخرى تتقرب اليه.

وفي أحد الأعياد اليهودية، حمل باقة زهور الى قبرها، استند برأسه الى جدار القبر، وهجمت عليه الذكريات كالأعاصير. فاستغرقته تماماً، وتلبد حاله لينخرط في بكاء مرير، حفرت دموعه التخينة أخدودين نازفين على خديه.

التفت فجأة الى صاحب اليد الحانية التي تربت على كتفه، فوجد رجلاً قارب الستين نحت الزمن آثاره على وجهه. جذبه الكهل فمشى الى جواره يقص عليه حكايته، وأحزانه فتأثر الرجل وطالبه بالصبر، وأخذ يقص هو الآخر حكايات ومأثورات ليخفف عنه، ثم حدثه عن نفسه وعن زوجته فائقة الجمال، التي ماتت هي الأخرى في شبابها وهي تلد، فلم يعثر على من تماثلها جمالاً، وعاش بلا زوجة واهباً حياته لابنته الوحيدة التي أنجبها.

كان اليهودي الكهل – واسمه "بوشاط – يعمل تاجراً متجولاً بين أحياء بغداد الشعبية، يبيع بضائعه المختلفة بالأجل، فاشتهر بين النساء الفقيرات اللاتي أقبلن على سلعه، باسمات فرحات بحديثه العذب، ومداعباته الرقيقة لأطفالهن.

وكانت زيارة عيزرا لبوشا لأول مرة. . بداية مثيرة لقصة من قصص الحب، والجاسوسية، والتوحش.

فبوشا التاجر المتوسط الحال، وقع منذ زمن في شرك الجاسوسية، وانضم لإحدى الخلايا السرية التي تعمل لصالح إسرائيل. وكانت مهمته جمع المعلومات عن فقراء اليهود في الأحياء الشعبية، ظروفهم المعيشية، وأعدادهم، وتعليمهم، وحرفهم، واتجاهات الرأي عندهم في مسألة الهجرة. فكان لذلك يكثف من زياراته للأحياء اليهودية ليكتب تقاريره عنهم. ويتردد على القبور لتصيد الأخبار من أفواه المكلومين، دون أن تعلم ابنته بنشاطه التجسسي، أو يحاول هو جرها الى العمل معه.

ذهب عيزرا مطمئناً الى صديقه الجديد بوشا الذي استقبله بترحاب كبير، وصارحه بأنه مغتبط لوفائه العظيم لزوجته الراحلة مثله. ونادى على ابنته، فأقبلت. . أقبلت "روان". . كأنما أقبلت معها رائعات الحياة جميعها، وتجمعت في وجهها الرائق الصافي الساحر.

كالأبله فغر فاه، لا يصدق أن هناك من بني البشر من هي بمثل ذلك الجمال الفتان.

مدت يدها مرحبة بالضيف فارتبك عقله، إذ سلب بريق عينيها النجلاوين ما بقي عنده من إدراك. ومست أصابعها يده فمست فؤاده. . ووجدانه.. حتى النخاع. . وهتف في نفسه:

"يا الهي . . من أي سماء أتيت. . ؟ ومن أي بطن ولدت.. ؟ أمثلك يمشي على الأرض مثلنا ويلوك الشعير .. ؟. . !!"

رجع عيزرا الى مسكنه إنساناً آخر، يشعر في قرارة نفسه بأن ابنة بوشا دحرته، وانتصرت على ذكرى الراحلة. فها هي قدماه تقودانه رغماً عنه الى "روان". وها هو القلب يدق كلما ذكرها في خياله، أو جلس قبالتها، إن شرايينه عادت تنبض بالعشق من جديد، في تحنان وانتعاش، حتى الحياة كلها من حوله، تبدلت فيها الصور. . وتجملت.

زار بوشا ذات مساء وكانت روان بمفردها . . دعته ابنة السابعة عشر للدخول فلبى، وجلس اليها كالتلميذ الغبي البليد الذي يجهل النطق والكلام.

تمنى لحظتئذ أن يصارحها بحبه. أن يضمها بين أحضانه ويدفن رأسه بين شعرها المنسدل كأستار الليل، أن يلثم أناملها وراحة يدها، ويتأمل هذا الوجه الساحر عن قرب.

استجمع جرأته وسألها هل تقبل به زوجاً، ضحكت كطفلة بريئة ملأى أنوثة، وقالت له: إن هذا الأمر بيد والدها لا بيدها، فصارح بوشا برغبته، ولحظتها. . ضحك العجوز ساخراً، وسأله كم ديناراً يملك مهراً لها؟

فأجابه عيزرا بأنه يدخر ألف دينار، ولديه سكناً وعملاً حكومياً، وراتبه يفي بمتطلبات الحياة الزوجية.

قهقه اليهودي الذي يدرك مدى هيامه بابنته، وأخبره أن مهر ابنته الوحيدة عشرة آلاف لا تنقص ديناراً واحداً.

وجم عيزرا العاشق الموله، وغادر المنزل مقهوراً، تسبح روان بدمه وتسيطر على عقله، وفؤاده، وأعصابه.

مرت به ليال طويلة مريرة وهو يفكر ما العمل؟ وصدق حدس بوشا عندما زاره عيوزرا عراضاً ألفي دينار مهراً لروان.

سأله العجوز بخبث عن مصدر الألف الثانية فقال إنه تقدم الى العمل بطلب "سلفة" تخصم من راتبه. ولما رفض طلبه للمرة الثانية، عرض عيزرا أن يستكتبه صكاً بألف دينار أخرى. لكن بوشا وافق أن تكون قيمة الصك ثمانية آلاف دينار.. على شرط.

سأله عيزرا عن شرطه الأخير، فأحكم اليهودي الخبير خنقة الشد، عندما عرض عليه مساعدته في إقناع من يعرفهم من اليهود للهجرة الى إسرائيل، فإن تحديد موعد زواجهما مرهون بمدى ما يبذله من جهد في هذا المجال.

وافق عيزرا على الفور طالما أزيلت عثرة المهر، أما مسألة هجرة اليهود فذاك أمر واجب ولا يعد تضحية في نظره. فالدولة اليهودية كانت عبر إذاعتها العربية، تبث دعايتها ليل نهار بأحقية يهود العالم في أرض الميعاد. وهو كيهودي. . تمنى أن يسافر لإسرائيل ليراها فقط قبل أن يقرر. فالدعاية المضادة في الإعلام العربي، كانت تصف إسرائيل أنها دولة الإرهاب والمذابح، وتصور الحياة بها كأنها الجحيم، وتنشر الكثير من الحوادث المؤسفة، تفضح إدعاءات إسرائيل التي واجهت كل ذلك بالرفض والاستنكار، متهمة الإعلام العربي بأنه يكذب، ويدعي، ويتحايل، لخداع اليهود، والكذب عليهم ليحجموا عن الهجرة.

كانت الحرب الدعائية دائماً في حالة غليان لا يتوقف. وكان إيمان عيزرا ناجي زلخا بقضية الوطن – إسرائيل – مزعزعاً. فهو ما عرف سوى العرق وطناً. . آمناً، يضم عشرات الآلاف من اليهود على أرضه، وينعمون جميعاً بالحرية والأمن.

وتساءل: لما لا تكون إسرائيل صادقة فيما تدعيه؟ أن اليهود عاشوا على أرض فلسطين منذ آلاف السنين، ولهم حق تاريخي في فلسطين. فلماذا يحاربهم العرب؟

ثم ماذا سيخسر ليكسب روان. . ؟ إن مجرد "إقناع" بعض اليهود بالهجرة ليس بالأمر الصعب. فالفقراء الذين سيتكلم معهم، يحسون بالضيق لسوء أحوالهم المعيشية، وقد يروا في الهجرة مخرجاً لهم من أزمتهم . إذن. . ماذا سيخسر؟

هكذا استطاع بوشا اصطياد عميل جديد للموساد، يعمل "مجاناً" عن قناعة . . واثقاً من إخلاصه للعمل، لكي يفوز بابنته الرائعة بعد ذلك. . !!

كانت تعرف

في تلك الفترة التي تأهب فيها عيزرا للعمل. . حدث انقلاب كبير على الساحة العربية. إذ وقع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، واحتلت إسرائيل شبه جزيرة سيناء، وبتدخل الولايات المتحدة انسحبت الجيوش المعتدية.

كان احتلال سيناء أمراً مدهشاً لليهود العرب، فقد ارتابوا كثيراً من قبل في قدرة الجيش الاسرائيلي على مواجهة الجيوش العربية، وتراجعوا عن فكرة الهجرة، ثقة في القوة الرادعة العربية.

أما وقد حدث العدوان واحتلال سيناء ثم الانسحاب – فقد اهتزت الصور . . واعتقد أكثر اليهود فهماً لأمور السياسة، أن العرب فوجئوا بالقوة العسكرية الإسرائيلية.. وهم بلا شك يستعدون، ويتحينون الفرصة المناسبة لضرب إسرائيل والقضاء عليها بعدما أضحت خطراً على المنطقة كلها.

هذا الرأي انتشر كانتشار النار في الهشيم بين اليهود العرب في سائر الأقطار. وبدلاً من الثقة في القدرة اليهودية، انعكس الأمر، وتحول احتلال سيناء الى نكسة مدمرة لاستراتيجية إسرائيل السياسية والعسكرية. . فتراجع أكثر اليهود عن رأيهم، وبالتالي. . أخفقت محاولات كثيرة للتأثير على اليهود وحثهم على الهجرة.

لهذا تعمدت المخابرات الاسرائيلية إذاعة حديث إبراهام دار بطل عملية "توشيا" وهي أجرأ عملية قام بها بتهريب 65 يهودياً من بورسعيد إبان العدوان الثلاثي – وكان المقصود بإذاعة حديثه عبر الراديو لعدة أيام مغزى مخابراتي.

واكب ذلك مقتل تاجر يهودي عراقي بيد لصين اقتحما داره. وأشاع عملاء الموساد أن العملية مدبرة لبث الرعب في قلوب اليهود.

انتهز بوشا حادث مقتل اليهودي لإثارة حمية عيزرا .. وتهيئة المناخ النفسي لإيقاظ حماسته. فانفعل عيزرا بغريزته كيهودي حامل لفيروس الخيانة، وأخلص كثيراً في عمله.

وإن هي إلا شهور قليلة حتى كان رصيده اثنتي عشرة أسرة يهودية، تمكن من إقناعها بالهرب الى إيران.. ومنها الى إسرائيل، ورحلة الهرب كثيراً ما كانت تبدأ من الشمال الشرقي، حيث يقوم فيها بعض العملاء من الأكراد بدور رئيسي وفعال. إذ يقودون الهاربين عبر الجبال والسهول والممرات الوعرة الى الحدود الإيرانية. . حيث يتعهدهم حرس الحدود وضباط الموساد.

هكذا ابتدأ عيزرا العمل، بداخله إحساس بالبطولة، والفخر بقدراته الخداعية التي مكنته من مؤازرة إسرائيل. فاستهوته اللعبة الخطرة المصيرية.. وقطع فيها شوطاً منحه الثقة في ألا يتراجع، لذلك كافأه بوشا بحق عندما زوجه روان.

أيام جميلة وعيزرا في العسل يمتص النعيم مصاً. . ويخوض بحور اللذات سابحة وغرقاً بين أحضان عروسه. ولم تكد تمر فترة وجيزة حتى مات بوشا .. فمات بالتالي الدين الذي صكه.

وأثناء تشييع جنازته، اقترب منه رجل لا يعرفه.. همس له ببضع كلمات واختفى. وعاد الى منزله تشوبه ملامح القلق. وسألته روان عما بداخله فصارحها بأمر أبيها ومعاونته له في تهريب اليهود. "إذن أنت بطل". . هكذا كان تعليقها وهي تعانقه، وتفجر القنبلة التي كان يمسكها بيده عندما قالت: كنت أعرف.

لقد اختصرت الطريق عليه. . وطالما هو بطل في نظرها فكل شيء يهون.

وفي مقهى قاسم جاءه الرجل الغامض. . منحه خمسمائة دينار وطلب منه أن يتلاقيا بعد أسبوع في ذات المكان والساعة.

إنه أحد عملاء الموساد في العراق. مهمته تدريب الجواسيس الجدد، وحصد المعلومات منهم وتجميعها، والربط بين الشبكات.

توالت لقاءاتهما بأماكن مختلفة ببغداد، وأخضع عيزرا لدورات في فنون التجسس. وفي غضون مرحلة قصيرة تعلم الكثير . . وأقبل على مهنته في شغف بالغ وقد تخرج في مدرسة الموساد جاسوساً مدرباً ملماً بهذا العالم المثير العجيب. . عالم الجاسوسية.

لقد انصب عمل عيزرا على تكثيف جهوده لتهريب يهود العراق. . وفي خلال عامين تمكن من تهريب أكثر من أربعمائة منهم الى عبادان عبر شط العرب. وسلك في ذلك أساليب شيطانية أنجحت مهمته، برغم التواجد الأمني المشدد، فأصبح بذلك أمهر جواسيس الموساد في بغداد.

وبينما عيزرا يتقدم في عمله بنجاح، كانت روان مشغولة بأمر فشلها في الإنجاب، يملؤها الحنين الى طفل يضيء حياتها.

وبرغم صمت زوجها وعدم اهتمامه بالأمر، إلا أنها سعت للأطباء واهتمت بالوصفات الشعبية دون فائدة. فأكلها الهم ومزقها الأسى، وحدثتها نفسها أن تفاتح زوجها برغبتها في الهرب معاً لإسرائيل، حيث تدوالت الأقاويل إمكان علاجها هناك.

لقد ظلت كثيراً تقلب هذه الفكرة في رأسها الى أن تشجعت وعرضت الفكرة عليه، فثار رافضاً في البداية ثم عاد وطلب منها الانتظار حتى "يأذنوا" له بالهرب. وانتهز الفرصة وتكلم مع مندوب الاتصال الذي يلتقي به في مواعيد محددة. فطلب منه مهلة ليعرض الأمر على رؤسائه في الموساد.

بالطبع لم يكن من السهل على الموساد أن تسحب عيزرا بعدما اتقن عمله وأجاده بحرفية عظيمة .. فعملية سحب العملاء تخضع لحسابات معقدة أهمها أن تصل درجة ثقة العميل في نفسه الى حد الغرور. . مما قد يوقعه في خطأ فادح يكشفه، نتيجة الثقة الزائدة في قدراته، والاستخفاف بقدرات رجال الأمن في القطر الذي زرع فيه. لم يصل عيزرا الى حد الخوف عليه بعد. فالمنتظر منه لا زال آتٍ بالطريق. . ولا بد من استغلاله و "استهلاكه" قبل الإذن له بالتوقف، أو السماح له بالمغادرة.

جاءه الرد كما كان متوقعاً. . فحزن كثيراً لأجل روان، وتملكه الزهو عندما أعلم بأنه منح رتبة عسكرية في الجيش الاسرائيلي، تضمن له ولأسرته معاشاً محترماً عندما ينتهي من مهمته ويفر الى إسرائيل. وأخضع لدورة تدريبية جديدة لتعلم كيفية استعمال اللاسلكي في الإرسال بعدما سلموه جهازاً لاسلكياً متطوراً. . ولا يمكن رصده بأجهزة تتبع الذبذبات التي لم تكن موجودة أصلاً بالعراق.

بذلك .. وثق عيزرا في أهمية دوره لخدمة مصالح إسرائيل في العراق، فطور كثيراً من مهامه التجسسية لتشمل جمع التقارير المهمة التي يحصل عليها من عمله في وزارة التجارة.

أيضاً نجح في تنمية علاقاته ببعض المسؤولين، وطلب الإذن بتجنيد ما يراه منهم فلم يأذنوا له. وبقدر ذهول مرؤوسيه في الموساد لمهارته في البث اللاسلكي.. أذهلهم أكثر تغلغله داخل فئات المجتمع وإرسال تقارير غاية في الأهمية عن الاقتصاد والزراعة. . وأصبحت المعلومات التي يبثها الى تل أبيب تقيم في الفئة (أ) التي تستحق عن جدارة مكافآت مالية ضخمة اتخمت بها جيوبه وبدلت نظام حياته وإنفاقه.

أشفق عيزرا على حال روان التي انزوت بين همومها بسبب حنينها الى طفل. فعرض عليها من باب "التسلية" مشاركته . . أيضاً. . طمعاً في المزيد من أموال الموساد، وكان المطلوب منها أن تبدي بشاشة لموظف بوزارة الخارجية صادقة أخيراً.

بدت المهمة صعبة في البداية، فهي لم تعرف بعد حدود تلك البشاشة، إذ ترك لها تقدير الموقف بنفسها. . وهذا يعد إذناً لها بأن تمشي في الطريق الى نهايته. .

وطني أكثر من اللازم

حاولت روان ببساطة الأنثى المثيرة التي تعد أمراً. . وبسهولة شديدة أوقعت الموظف المسيحي في حبائلها.. فأوهمته بأنها تحبه، وبأنها أصبحت لا تفكر بالهرب الى إسرائيل من أجل أن تظل الى جانبه.

انزعج "كامل" عند سماع اسم "إسرائيل" ولكي تذهب عقله وتشل تفكيره، أسلمت له نفسها فانزلق بين أحضانها يحسو الخمر نشواناً. . لا ينفك يطلب المزيد والمزيد. وهل امرأة صغيرة رائعة مثلها يشبع منها رجل . .؟ أو يفيق من سكره. . ؟

ففي غيبة الإدراك أعلنها كامل صريحة بأنه معها في أي مكان. . ولو في إسرائيل . . ولما تأكدت من إتمام سيطرتها عليه. . طلبت منه الثمن. . ثمن دخولهما إسرائيل.. فتدفقت الوثائق والتقارير من أرشيف الوزارة السري. . وكلما سلمها عشرات الوثائق الخطيرة ادعت بسخرية تفاهتها.

ومرت بهما الأيام وقل حديثها عن الحب والهرب. . إذ شغل الحديث عن مغامراته لجلب الوثائق كل المساحة بينهما.

لقد أدرك كامل بأنه وقع لأذنيه في بئر الخيانة. . فانغمس غصباً عنه لا يستطيع التراجع أو الخلاص. .

واستلذت روان اللعبة. . والمغامرة، والقتل بسلاح أنوثتها، إنها لعبة مثيرة ترضي غرورها. . وتبعدها عن التفكير في الإنجاب. فانساقت في الطريق وقد استهواها العمل واستغرقها.

أما عيزرا فلم يضيع وقتاً طويلاً في الثناء على شريكته الجديدة. إذ كلفها باصطياد ملازم أول مطار بغداد مغرور ببزته الرسمية وبالسيارة الحكومية التي تذهب به وتجيئه كل يوم.

ولأنه يسكن بالمنزل المواجه. . كان الأمر هيناً جداً. . عندما أشهرت روان أسلحتها الأنوثية الفتاكة في وجهه، فاستسلم. . وتقرب الى عيزرا الذي هيأ له المناخ الصحي للسقوط .. فسقط الشاب الصغير بلا تفكير .. وتدفقت من خلاله المعلومات الأكثر سرية عن المطار، وطائرات الشحن المحملة بالمعدات العسكرية، التي تفرغها بداخل حظائر خاصة تخضع لإجراءات أمنية صعبة، وكذا، وأعداد الخبراء السوفييت والتشيك الذين يتوافدون ويغادرون، والرحلات السرية لطائرة الرئاسة.

معلومات أشد سخونة كان يبثها عيزرا فتثير شهية الإسرائيليين.. وتدهشهم جرأة عميلهم الذي امتلك قلباً من فولاذ . . لا يقهره خوف .. أو يرتجف رعباً إذا ما قرأ بالصحف العراقية عن سقوط جواسيس للموساد أو إعدامهم.

كانت التحذيرات تجيئه آمرة إياه بألا يقرأ تلك الأخبار "الكاذبة" التي يروجها العراقيون. لكنه لم يكن يأبه لتلك المخاوف، بل كان يقرأ ليستفيد من الأخطاء التي أدت لسقوط الجواسيس، فيتجنبها، وتتضاعف بذلك خبراته. . وثروته.. بفضل حسه الأمني. . وبالمعلومات الثمينة التي يحصل عليها بفضل جسد زوجته. خاصة وقد أخبرهم بأمر انضمامها الى العمل.. وقدراتها الفائقة على السيطرة وتجنيد عملاء جدد. فكان ردهم بأنهم يقدرون ذلك. . وأن روان قد تم منحها هي الأخرى رتبة ملازم أول في جيش الدفاع الإسرائيلي . . تقديراً لتعاونها المشرف .. !!

ولأسبابا أمنية بحتة .. اشترى عيزرا منزلاً جديداً من طابق واحد في حي الكاظمية . . كان بالمنزل حديقة خلفية ذات أشجار كثيفة. . وباب يؤدي الى منطقة مهجورة مليئة بالأحراش. . وبواسطة تلسكوب مكبر كان "يمسح" المنطقة المحيطة المؤدية الى منزله قبل خروجه. . أو قبل زيارة عميل مهم.

هذا المنزل تحول الى غرفة عمليات خطيرة.. وتتم فيه عملية السيطرة على من يراد تجنيدهم.

وخلال ثلاث سنوات من انخراط روان في الجاسوسية. . استطاعت وحدها تجنيد ثلاثة عشر موظفاً عاماً في مواقع مهمة. أربعة منهم ضباط برتب مختلفة في الجيش العراقي.. وضابط بأمن المطار. . وستة آخرين يشغلون مناصب إدارية بالوزارات المختلفة. جميعهم سقطوا في قبضة روان بفضل لغة الجسد والإثارة. وتدفقت بواسطتهم أسرار العراق أولاً بأول الى إسرائيل.

وحدث أن نصبت روان شباكها حول طبيب بالجيش يحمل رتبة نقيب.. وكانت خطة استدراجه بواسطة أحد العملاء لتوقيع الكشف على زوجها. إذ تهيأت الحية الرقطاء وبدت كأن الفتنة كلها حلت بذاك الجسد.. فطابت ثمارها شوقاً لقاطفها.

ولما جاء الطبيب الأعزب تسمر مكانه.. وبدا كطفل جائع تتلوى أعضاؤه وترتجف. . فثوبها العريان لم يخف من مفاتنها أكثر مما كشف، وجسدها الأملود كان ينادي: أيها الجائع المبهوت. . هيا . . تذوق اللذات براكين من الفوران. . قناطير من النعيم السرمدي، والقطف.

وكمثل سابقيه. . فقد الطبيب مقاومته وغرق فيها عشقاً وذوباناً . وشوقاً الى الذروة . . فلم تكن تمنحه إلا بمقدار . . حتى تجيء اللحظة التي يفقد فيها العقل تماماً، فتبدأ معه المبادلة. . فكل شيء له مقابل.. وثمن.

ولما جاءت لحظة المكاشفة. . والسقوط. . لم يصدق النقيب الطبيب حسين علي عبد الله أنه بين أحضان جاسوسة محترفة، في وكر للجواسيس، فانتفض بين أحضانها وقد غاصت نشوته وقام فزعاً يرتدي ملابسه ويتوعدها بمصير مظلم.

هددته بتسجيلاته الجنسية معها فرد عليها بأنه رجل ولا عار عليه فهي تؤكد رجولته. هددته ثانية بما تفوه به في السياسة والعسكرية وأن مستقبله بيدها. فبصق عليها قائلاً إنهم سيكافئوه بالترقية لأنه سلمهم جاسوسة إسرائيلية. وهجم عليها محاولاً تكبيلها واقتيادها للسلطات، لكنه فوجئ بعيزرا أمامه يشهر مسدسه.

أحس بخطئه الكبير كرجل عسكري، فقد كان يجب عليه مسايرتها حتى يخرج من بيت الأفاعي. لكنه "كان يعتقد" أنهما بمفردهما.

لم يترك له عيزرا فرصة للتعامل معه. بل انطلقت الرصاصات الى رأسه، وتناثرت شظايا عظام جمجمته على جدران الغرفة.

صرخت روان في هلع.. وكتمت صراخها عندما بحلق فيها غاضباً. . بعينين ترسلان نظرات كاللهيب، وتكورت ترتجف في أنين خافت. .

أخذ عيزرا يسبها لأنها عجزت عن السيطرة عليه كسابقيه.. وتسرعت كثيراً في مكاشفته ثقة في جمالها.

وبخوف يشع رعباً دافعت عن نفسها، مؤكدة له بأنها طوعته جدياً لكنه "وطني مخلص أكثر من اللازم" وظلا طوال الليل يحفران قبره في الحديقة الخلفية. . ثم أهالا التراب فوق الجثة. . وانكمشت روان يفتك بها الهلع. . فهي تنام بين أحضان قاتل. . وعلى بعد خطوة من فراشها. . يرقد قتيل.

الطيار القتيل

. . حلت الكآبة بالحية تفتت عقلها. . لكن الثعبان السام لم يكن ليستسلم. . فالمجد ينتظره في إسرائيل . . وهو الآن يصنع تاريخه..

ومضى الجاسوس الداهية في طريقه قدماً تحفه الثقة ويملؤه الغرور. تسع سنوات كان لا يكل ولا يخاف. . وأعوانه منتشرون في كل مؤسسات العراق الحيوية . . يمدونه بما يذهل الإسرائيليين من معلومات عن أحشاء العراق، وشرايين الحياة المختلفة به.

وفي رسالة التكليف التي تلقاها بواسطة الراديو. . كان الأمر مختلفاً عليه. فقد كان المطلوب تجنيد طيار عسكري عراقي – وبأي ثمن – يقبل الفرار بطائرته الحربية ميج 21 الى إسرائيل.

بدأ عيزرا رحلة البحث عن طيار خائن. . ومن خلال الخونة العسكريين أعضاء شبكته، تعرف عيزرا – بشكل يبدو عفوياً – بالنقيب طيار شاكر محمود يوسف ، المولود في "محلة حسن جديد باشا" عام 1936، وسبق له أن التحق بدورات تدريبية في موسكو ولندن لزيادة كفاءته كطيار للميج 21 القتالية الاعتراضية التي ترعب إسرائيل.

التقى به عيزرا وزوجته في إحدى الحفلات. . وحاولت روان بأسلحتها الأنثوية الطاغية أن تلفت انتباهه لكنه تجاهلها. . فاغتاظت وتملكها الضيق وشكت في كونها أنثى لا ترد. حتى إذا ما استجمعت نفسها بعدها بأيام، أعلنت عيزرا بقرار اعتزالها مهمة اصطياد عراقيين جدد.

لكنه فاجأها ذت مساء حينما جاء وبرفقته شاكر، وأسر لها بأن الطيار الشاب تجاهلها في الحفل لوجود زوجته معه، وأن "الوسيط" استدرج شاكر ورأى منه الرغبة في التعرف اليها.. فتظاهر بمصاحبته وبدأت الاتصالات بينهما.

وما كادت روان تسترجع من جديد ثقتها في جاذبيتها وسحرها. . وتوشك أن تسيطر على أعصاب الطيار الولهان، حتى سافر فجأة الى أمريكا للحصول على دورة في "قيادة التشكيل" في تكساس.

هناك تولت المخابرات المركزية أمره. . فدفعت بحية أخرى في طريقه. . جيء بها خصيصاً على وجه السرعة من النمسا حيث تعمل كممرضة بالمستشفى الأمريكي بفيينا.

إنها "كروثر هلكر". . فاتنة الحسن طاغية الجمال .. التي عملت كمشرفة في نادي الطيارين الشرقيين في قاعدة التدريب الجوية بتكساس. . ونصبت شباكها حول شاكر يوسف فوقع في حبائلها لا حول له ولا قوة. فقد كان يريدها عشيقة مؤقتة بأمريكا، بينما كانت تريده زوجاً لتكتمل الخطة. . رفض رغبتها بالطبع لأنه متزوج ويحب زوجته. لكنها لم تيأس . . وظلت تحاول . . مرات ومرات الى أن فشلت. . ووضح جيداً جهل الموساد و الـسي اي اي ، فالعسكريون العرب محظور عليهم الزواج بأجنبيات.

لكن تملكت الاسرائيليين والأمريكان رغبة عارمة في السيطرة عليه وتجنيده. . ليهديهم سر أسرار الطائرة السوفييتية اللغز .. ولما عاد الى بغداد دون أن يحقق حلمهم. . طارت كروثر خلفه ونزلت بفندق بغداد الدولي واتصلت به.

ولأنها حضرت لأجله – تحرج كشرقي – واستأجر لها شقة مفروشة بمنطقة الكرادة الشرقية تطل على نهر دجلة. وأخذ يتردد عليها خفية، محاولاً إقناعها بالعودة لأنه متزوج ويعول طفلاً فلم تنصت اليه.

وعندما حدثته عن "منظمة السلام العالمي" المهتمة بنشر السلام حول العالم، صرخ فيها وهددها بأن تسافر فوراً خارج العراق، وإلا فهو مضطر لإبلاغ السلطات بسعيها لتجنيده لصالح جهات أجنبية.

عند ذلك . . ولأنها تحمل تصريحاً بالقتل، رأت أنه لا بد من تصفيته في أسرع وقت خشية افتضاح الأمر. وتنكشف بذلك نوايا الأمريكيين والإسرائيليين، فيمنع الطيارون الذين أوفدوا في بعثات للخارج من قيادة الميج 21، وصدرت الأوامر لعيزرا ناجي زلخا بالتخلص من النقيب الطيار شاكر يوسف.

وهنا قد يتساءل البعض:

ما علاقة عيزرا جاسوس الموساد بكروثر هلكر جاسوسة الـ C.I.A.؟

الإجابة بسيطة جداً. . فالموساد والـ C.I.A. ترتبطان معاً بعلاقات وثيقة ترسمها المصالح والنوايا المشتركة. وسواء جند طيار عربي بواسطة الموساد أو بواسطة الـ C. I.A. فسوف يهرب بطائرته الى إسرائيل، ليفحصها الأمريكان.

من هنا . . لجأت الـ C.I.A. لمعاونة الموساد في تصفية شاكر بواسطة عملائها ببغداد. وبثت الموساد امراً عاجلاً لعيزرا بالاتصال بكروثر التي تجيد العربية، وتم الاتفاق بينهما على الخطة..

وأثناء زيارة النقيب شاكر الأخيرة لهلكر بالشقة المفروشة، عمد كما في المرات السابقة الى ترك سيارته على بعد شارعين تحسباً لأي طارئ، واحتدم النقاش بينهما فهددته بأفلام وصور جنسية أخذت لهما في أمريكا فلم يهتم.

وفي آخر محاولة لإبقائه حياً، عرضت عليه مليون دولار ثمناً لطائرة الميج 21 يفر بها لإسرائيل، فلطمها على وجهها لطمة قوية انبثق لها الدم من فمها. وقبل أن يخرج من الحجرة ثائراً لإبلاغ السلطات، فاجأه عيزرا بطلقات مسدسه الكاتم للصوت، وسقط شاكر في الحال قبلما يتمكن من استعمال مسدسه.

وبينما هلكر تعد حقيبتها للحاق بالطائرة المتجهة الى لندن، انشغل عيزرا بإزالة الآثار والبصمات، وجر جثة الطيار لأسفل السرير ملفوفة ببطانية، ثم فتح أجهزة التكييف .. وغادر الشقة.

اكتشفت الجثة في 6 يوليو 1965 بعد وقوع الجريمة باسبوع. كان عيزرا في ذلك الوقت يمضى أسوأ أيام حياته على الإطلاق. إذ نشرت الصحف العراقية نبأ مقتل كروثر هلكر بأحد فنادق لندن في ظروف غامضة، بعد يومين من مغادرتها لبغداد، وصرح مسؤول أمني أن الجثة وجدت ممزقة، وبها ثلاثون طعنة بعدد سنين عمرها، هكذا تخلصت الـ C.I.A. من كروثر لإخفاء معالم الجريمة الى الأبد. فماذا عنه هو؟

دارت الدنيا بعيزرا وضاقت به على وسعها. وصور له خياله أن الموساد سوف تقتله أيضاً لأنه ستراً للجريمة. . وما كان يعلم أن أسلوب قتل العملاء بعد انتهاء مهامهم تستخدمه الـ C.I.A. فقط. أما الموساد فالجواسيس لديها بمثابة أبطال عظماء تفخر بهم وتخلدهم. لم يكن يعلم ذلك عندما عطّل جهاز اللاسلكي. واختبأ بإحدى الشقق لا يخرج هو أو روان إلا للضرورة.

وبعد احتفالات رأس السنة . . وما إن هلت أيام يناير 1966 الأولى، حتى انكشف أمر شبكته ضمن الشبكات التسع .. وجرى البحث عنه وتعقب آثاره في كل العراق.

كان يجهل أمر البحث عنه من قبل جهاز المخابرات – المكتب الثاني – فعلاقته بأعوانه كانت منقطعة طوال تلك الشهور الخمسة.

ولأن المجرم دائماً يحوم حول مسرح جريمته، تصادف أن توجه وروان لمنزل الكاظمية حيث يخبئ أجهزة التجسس. فاطمأن على وجودها، وفي المساء قاد سيارته وحده الى منزل بوشا القديم، فنام مرهقاً حتى الفجر، وأسرع بالعودة الى روان مرة أخرى وما كان يدري بما ينتظره.

ففي غبش الفجر اقتحمت المنزل قوات الأمن، وكانت روان بمفردها كالشبح.. متكورة كجنين ببطن أمه. . فلم تبد أية دهشة أوتصعق للمفاجأة.

سألوها عن عيزرا قالت بهدوء: "لن يتأخر"..

واعترفت من تلقاء نفسها بأنها جاسوسة إسرائيلية، استطاعت أن تجند جيش من اليهود العراقيين وسائر الملل بالغواية والجنس. وأرشدت عن مقبرة الضابط الطبيب بالحديقة الخلفية، وقادتهم الى مخبأ سري بداخله جهاز اللاسلكي المعطل وكتاب الشفرة وعدة كاميرات سرية، وأفلام ووثائق لم تبعث بعد للموساد.

كانت سيارات الأمن قد اختفت من المكان الذي بدا طبيعياً. واختبأ عدة ضباط بداخل المنزل ينتظرون الثعبان الكبير. وما أن جاء وخطا خطوات قليلة الى الداخل حتى هوجم وكبل في الحال.. واقتيد الى مكان سري للاستجواب، فاعترف اعترافات تفصيلية بنشاطه لمدة عشر سنوات لصالح الموساد، وسدت اعترافاته ثغرات عديدة كانت تحول دون الوصول لبقية الشبكات.

وبينما هو بالقفص، بانتظار سماع الحكم بإعدامه وروان شنقاً مع تسع آخرين، وبالرصاص خمسة عسكريين، نظرت اليه روان وقد أكلها الهزال وبرزت عظام وجهها، وقالت له إنها تشعر بالأسف على كل شيء. . لكنها سعيدة جداً لعدم إنجابهما أطفال يتعذبون من بعدهما طوال حياتهم. . حيث سيصيح الناس في كل شوارع بغداد: هؤلاء أبناء الثعبان والحية.. !!

_____



_____




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://zohor-mostaqble.ahlamontada.net/index.htm
Mostafa
مراقبـ
مراقبـ


ذكر
عدد المساهمات: 2607
العمر: 18
العمل/الترفيه: لعب كرة القدم
فصل: 1/5 ث وبلا فخر
المزاج: راااااااااااااااايق!!
مزاجي اليوم:
المهنة:
الهواية:
أوسمة العضو:
نقاط: 12748
السٌّمعَة: 33
تاريخ التسجيل: 18/01/2010

مُساهمةموضوع: عبدالله الشيعي . . جاسوس الموساد الدميم   الجمعة يونيو 11, 2010 9:03 pm

عبدالله الشيعي

دمامته .. أبعدت الحب عنه والصديق، فانطوى على نفسه، تغلفه الوحدة، وتفتته الحسرة والكراهية، يود لو أنه يمتلك المال ليشتري أصدقاء، ومحبين.

لكن إنساناً على شاكلته. . يعيش منفرداً مزوياً، لم يجد إلا "الكولية" منفثاً بين أحضان العاهرات.. لقد أحب إحداهن بجنون لكنها رفضته زوجاً لدمامته، فانقلب بعدها وحشاً مسعوراً يبحث عن المال. . حتى ولو كان ببيع الوطن.. !!
بيت الكولية

من النيل الى الفرات، خريطة تحتل مساحة كبيرة على أحد جدران الكنيست الاسرائيلي تذكر اليهود بحلم دولة إسرائيل الكبرى، الذي لم يزل يراود خيالهم. فأرض فلسطين المغتصبة ليست جل آمالهم، فقط هي نقطة بداية وارتكاز، يعقبها انطلاق، وزحف في غفلة منا، لتحقيق الحلم الأعظم.

هكذا . . وعملاً بالتعاليم والأهداف اليهودية، تفشت ظاهرة الخيانة بين يهودي العراق، واستفحل هذا الداء واستشرى، خاصة في الستينيات من القرن العشرين، الذي نشطت فيه الحروب السرية بشكل لم يسبق له مثيل، إذ كلما ضبطت الأجهزة الأمنية في العراق إحدى شبكات الجاسوسية، تكونت بدلاً منها شبكتان، كأن الجاسوسية حالة إدمان يصعب شفاؤها.

وبرغم الأحكام القاسية والمفترض أن تكون رادعة، في ظل قانون حاسم قوي لا يرحم، إلا أن الخونة أخذوا في الازدياد والتكاثر، لا ترهبهم قصص الجواسيس المنشورة بالصحف، أو أحكام الإعدام التي تنفذ، فالدعاية اليهودية كانت تروج الأكاذيب، وتدعي أن محاكمات "العملاء" محض افتراء ودعاية محسوبة، لتخويف المتعاونين المخلصين مع الموساد، وإرباك تحركاتهم ونشاطاتهم، وبالتالي الوقوع في أخطاء قد تقودهم لحبل المشنقة.

من بين هؤلاء الخونة الذين صدقوا الأكذوبة الإسرائيلية.. عبدالله سليمان الشيعي العراقي ذو الجذور اليهودية.

ولد عام 1931 بمدينة "الحلة" الواقعة على نهر الحلة لأب عراقي وأم إيرانية كان أبوها يهودياً أعلن إسلامه كذباً. . وعندما وعى عبد الله الحياة، اكتشف حقارة مهنة أبيه "جسّاس المواشي" . لذلك سعى بشدة للتفوق في دراسته ليلتحق بجامعة بغداد، بعيداً عن الحلة التي كره الإقامة بها، وتحقق حلمه بعد طول معاناة.

فبعد أربعة أعوام في الجامعة حصل على ليسانس الآداب، وعمل بالتدريس بإحدى مدارس العاصمة، وكان عمره في ذلك الوقت خمسة وعشرين عاماً تقريباً.

لم يذق عبد الله للحب طعماً في الجامعة أو قبلها، فوجهه ذو الأنف الضخم، الذي يشبه أنف سيرانودي برجراك ، وفكه البارز جداً أبعد عنه الفتيات، بل وأخاف الأطفال منه، لذلك فقد افتقد الحب والصديق، وانطوى على نفسه تغلفه الوحدة، وتقتله الحسرة والكراهية.

لقد بدأت معاناته الحقيقية بمأساته في طفولته المبكرة، وفي المدرسة الاعدادية بحي الأعظمية، اكتشف دمامة أخرى في صوته، جعلت من مخارج الحروف نشازاً يضحك زملاءه بالمدرسة، ويجعله مصدر سخرية مؤلمة دائماً، فاهتزت ثقته بنفسه وملأه الحقد على كل من حوله، وود لو أنه يمتلك المال الذي يعوض دمامته، لكنه سرعان ما يدرك مدى افتقاده للاثنين معاً، ولم يكن من السهل عليه أن يفك عقده النفسية، أو يحس ببعض الرضا، فشرنقة من العقد أحاطته، وحبسته داخل ظلمة لا حدود لها، حجبت عنه الأمل في إشراقة تتبدل معها حياته.

إنسان على شاكلته يعيش منفرداً، مزوياً في أركان المجتمع، لم يجد له منفثاً إلا في "الكولية" حيث عثر على ذاته بين أحضان عاهرة بالغت في الاهتمام به كزبون دائم لا يضاجع سواها.

ذات مرة .. سألها عما دفعها لتمتهن الدعارة، فحكت له الكثير عن مأساتها، وكيف هربت من أهلها بعدما خدعها الحبيب، الذي مات في إحدى الحملات العسكرية على الأكراد، وكانت حاملاً منه، فلم تجد ملاذاً إلا بيت الكولية.

دموعها وهي تروي قصتها أوهمته بأنه أحبها. وسيطر عليه هذا الشعور الجميل، فلم ير غضاضة في عرض فكرة الزواج منها، ولكم كانت صدمته أشد قسوة رفضته العاهرة . . بسبب دمامته.

حينئذ . . تصاعدت مأساته الى ذروتها، وغادر بيت الكولية يجرجر خيبة أمله، تفوح منه الكراهية للحياة ولسائر الناس، وفي حجرته وقف أمام المرآة يتأمل وجهه، واستغرقه ذلك وقتاً طويلاً ليفيق على حقيقة أكدها لنفسه، أن الثراء أمر حتمي سيقرب الناس منه، ويجعلهم يتغاضون عن ملامحه الغير مقبولة فإن للمال سحراً خاصاً ووهجاً حلو المذاق يدير الرؤوس، فلا بد إذن من الوصول اليه مهما كانت المصاعب، وبدأ في تنفيذ سياسة تقشف كتلك التي تلجأ اليها الدول النامية لتحسين أوضاعها، وأقسم على ألا يفسد خطة حياته المستقبلية، في أحلك الأزمات عنفاً، بإنفاق دينار في غير مكانه.

كانت الدنانير الستة والثلاثين، وهي كل راتبه، مبلغاً محترماً في ذلك الوقت، وحسب الخطة التقشفية التي وضعها لنفسه، استطاع أن يدخر نصف راتبه، ممتنعاً عن أبسط مظاهر الرفاهية.

ومرت به خمس سنوات عجاف، اعتاد خلالها الحرمان والجوع والبرد، ضارباً بكل إغراءات الحياة عرض الحائط. حتى أقدم على خطبة فتاة فقيرة اسمها "سهيلة"، عاندها الحظ في اللحاق بقطار الزواج لحول واضح بعينيها، فوافقت على الزواج منه راضية بما قسم لها، وعاشا معاً بمسكن متواضع بحي الكاظمية، كلاهما يشعر ببساطة حظه في الحياة، واغتراب ليس بمرتحل.

بعدما استنزف الزواج غالبية مدخراته، هاجت لديه أحلام الثراء من جديد، فانبرى بسهيلة ذات ليلة يذيقها معسول الكلام، ثم فاتحها بفكرة راودته طويلاً من قبل، وهي استئجار مطعم صغير بثمن مصاغها، تقوم على إدارته بنفسها طوال تواجده بعمله، لكنها بدلاً من الموافقة أعلنته بخبر مولودهما القادم، فزلزله الأمر وغرق في تفكير عميق، فمن أين له بمصاريف الضيف القادم؟ وأخيراً لم يجد مفراً من العمل فترة مسائية، فجاب شوارع بغداد يسعى الى عمل إضافي، الىأن اهتدى بعد لأي ليهودي اسمه خوجه زلخا، كلفه بمساعدة ابنته المعاقة في دروسها.

سر عبد الله كثيراً ولم يضيع وقتاً، وقال في نفسه إنها فرصة طيبة يجب أن يستغلها جيداً، إذ ربما تفتح له أبواباً أخرى للرزق.
العسل المعسول

قادته الخطى الى حي الرصافة بوسط بغداد، حيث بيوت الأثرياء ذات الحدائق والأسوار، وقصور طالما مر أمامها كثيراً فتثور برأسه آلاف الأسئلة، ويردد: هل ساكنوها تسلعهم أحياناً عضات الجوع والعوز؟

أي أناس هم؟

وكيف يعيشون على ضفة دجلة؟

أفاق أمام منزل خوجة زلخا، وقاده خادم عجوز الى حجرة الصالون، فراعه كل ما وقعت عيناه عليه، وانتبه لخطوات تبدو قادمة، فقام مسرعاً وتهيأ للقاء، وبينما يهذب قميصه ويتحسس هندامه، كانت هي بالباب تبتسم، اقتربت منه محيية مرحبة في لطف، وعندما مدت يدها اليسرى للسلام، لاحظ قصراً كبيراً بيدها اليمنى، ناتجاً عن عيب سببه لها شلل الأطفال، دخل في إثرها زلخا مرحباً ودوداً، وهتف قائلاً: "ابنتي إيرينا" التي جئت من أجلها، أريدك أن تعلمها الإملاء والحساب، ودعاه لزيارة تلميذته في أي وقت، ولا يبخل عليها بعلمه الغزير.

جلس عبدالله كالتلميذ أمام إيرينا ذات السبعة عشر ربيعاً، ألجم حسنها لسانه، وانتشى لبشاشتها معه وتبسطها في الحديث، ولم يلحظ في عينيها تلك النظرة الموجعة التي اعتادها طوال سني عمره الـ 35، فأحاط نفسه بأفكار وأوهام عديدة، صورت له خيالات الحب وارتعاشات نبضاته، وود لو أنه لثم أظافرها في خلوتهما التي تطول وتطول، فلكم كان يتمنى ألا يمضي الوقت لينصرف مغادراً قصر الأحلام ومليكته، الى منزله الرطب الموحش ووجه سهيلة الحولاء.

اختلس ذات مرة لمسة من يدها، بدت كما لو أنه يعلمها ضبط الحروف، فاقترب بوجهه منها، وحانت منه التفاتة الى صدرها المتكور في أنحناءاتها، فانتفض بدنه كله لمرأى الوادي الأسيل، وأسكرته رائحة العطر الفواح يتخلل جسدها المثير، وشهق كمن يستغيث فانتبهت، وأدارت وجهها فجأة تجاهه فلامس خدها خده، لينكب كالثور الجائع على شفتيها يمتص رحيق الشهد ومذاقات العسل المعسول.

غابت الصغيرة بين أحضانه مستسلمة وهو يداعب أنوثتها، ويوقظ لديها رغبات دفينةى تأججت نيرانها، وعاد بعدها زاحفاً الى بيته لا يدري كيف حملت ساقاه سكيراً لم يذق خمراً. . !؟

لقد نشأ منذ البداية هشاً كارهاً للناس، ناقماً على ظروفه ودمامته، يحلم بالمال الذي سيجلب له العطف والحب، وعندما أدركهما عند إيرينا المراهقة اليهودية، أسلم قياده بل حياته كلها رخيصة لأجل لحظة حب.

هكذا يسقط الضعفاء سقوطاً مدوياً سهلاً وقد عصرتهم المعاناة بأشكالها المختلفة، فهم تمردوا على واقعهم وداسوا القيم، لأجل لذة ما حرموا منها، والبحث عن هؤلاء في خضم البشر المتماوج، هين عند الخبراء وصائدي الجواسيس، ذوي الأنوف الماهرة في التقاط رائحة الضعف لديهم.

وقد يتساءل القارئ: ماذا سيقدم هذا الدميم المزوي المنبوذ الى المخابرات الاسرائيلية؟ والمتتبع جيداً لقصص الخونة، سيرى أن حالة عبدالله الشيعي ليست فريدة في عالم الجاسوسية، فالموساد كغيرها من أجهزة المخابرات العالمية الأخرى، تتخير جواسيسها من كل الفئات والألوان والثقافات دون تمييز، فما يهم هنا هو الإخلاص في العمل. . والولاء اللانهائي.

فقد كان هناك الجاسوس المصري سليمان سلمان، راعي الإبل ابن سيناء، الذي كان لا يقرأ ولا يكتب، جندته الموساد بعدما محت أميته، ودربته تدريباً مكثفاً على فنون التجسس، وابتركت له شفرة خاصة تعتمد على الحروف الأبجدية العربية والصور، يستطيع بها بث رسائله من خلال جهاز اللاسلكي المتطور الذي سلموه له، فماذا كانت الموساد تنتظر من هذا الأمي، الذي سقط وأعدم بسبب خيانته وغبائه؟ إذن فلا نندهش أمام حالة هذا الجاسوس العراقي الدميم. . !!

فعالم الجاسوسية الغامض المثير مليء بالأسرار والمتناقضات، لذا. . فهي حقاً مثيرة جداً، قصص الخونة والجواسيس، تستهوي العقول على اختلاف مداركها وثقافاتها، وتنقلها الى عوالم غريبة، مختلفة، تضج بعجائب الخلق وشواذ الأنفس، فعلماء الإجتماع والسلوك عجزوا في فهم أولئك الخونة، وفشلوا في الكشف عن بذور الخيانة لديهم، أين توجد؟ .. وكيف تمددت لتتشبث جذورها بالشرايين عندهم والخلايا وتتحول في لحظات الى أحراش مظلمة بأعماقهم؟ فلكل جاسوس قصة، ولكل خائن حكاية غلفها العجب، وسربلها الجنون، وإنني بالرغم من مئات الكتب والدراسات التي قرأتها عن هذا العالم الغامض المثير، لا زلت أشعر بجهلي الشديد أمام طلاسمه، ويزيد يقيني بأن وراء كل خائن سراً غامضاً وداءاً مجهولاً لسنا ندركه، ودائماً هناك السؤال: خلايا الخيانة عند البشر . . أهي مثل الذرة تنشطر حتى تغلب العقل كله فتدمره وتسحق الضمير . . ؟!!
جاسوس تحت التمرين

لم يدر بخلد عبد الله الشيعي أن هناك عقولاً تخطط كي يسقط، أو أن إيرينا الصغيرة التي بشت له، كانت وسيلة جره واصطياده، وكانت بشاشتها وملاحتها مجرد طعم لاستدراجه الى وكر الجاسوسية، فبعدما احتواها في المرة الأولى، استعذب مذاقها وطمع في المزيد، فنهرته بلطف أقرب الى تمنع الرغبة.

ففي بيتها التقى باليهودي الإيراني عوازي سليمان، عميل الموساد المدرب، ودارت بينهما الأحاديث المطولة، التي استشف منها العميل أن عبد الله لا يحلم سوى بالثراء، فلعب جيداً على هذا الوتر، وطير بخياله الى أحلام طالما عايشته في اليقظة، فتهفت نفسه الى صعود درجات الغنى، مهما كان الثمن فادحاً.

ولتكتمل خطوط القصة. . أوهمه عوازي بأنه يمتلك عقلية فذة، وهو بحاجة اليه لإدارة إحدى مؤسساته التجارية التي يزمع إقامتها في بغداد، ومنحه مائتي دينار مقابل عمل دراسة اقتصادية للسوق.

نشط عبدالله في البحث والتحري، وكتابة تقارير اقتصادية مستمدة من ملفات وزارة الاقتصاد، حصل عليها بمساعدة زميل دراسة اسمه جواد مقابل أربعين ديناراً.

أدهشت التقارير عميل الموساد، إلا أنه أخفى دهشته وادعى تفاهتها، وفوجئ عندما صارحته إيرينا في انفرادهما بأنها تحبه، وطلبت منه أن يبذل قصارى جهده في التعاون مع عوازي، كي تنتعش أحواله المادية فيتزوجا. فقد عقله أمام اعترافها بحبه، ولم يسأل نفسه لماذا؟ أعبقرية فجائية ظهرت عليه؟ أم أن دمامته تبدلت بوسامة جون كونري، وجاذبية كلارك جيبل؟ خاضعاً وعدها بألا يتوانى في العمل من أجل الفوز بها، عازماً على خوض الصعاب بلا ضجر أو كلل، هكذا كانت البداية. ومن هنا تبدأ عملية صناعة الجاسوس !!

كان على قناعة تامة بأنه "أخضر" لم يشب بعد، ولذلك استسلم لمعلمه عوازي يشرب على يديه حرفته الجديدة، فأخضعه لدورات أولية في جس نبض الشارع، واستطلاع آراء العامة من الناس في السياسة والاقتصاد، وكيفية تلقط الأخبار والأسرار، زاعماً له أن هذا مفيد جداً للمؤسسة التجارية، حريصاً على ألا يتفهم الجاسوس الجديد طبيعة مهمته، حتى لا يتصرف بحماقة فتفشل المهمة.

وانطلق عبد الله بجمع المعلومات ويحصدها حصداً، لعله ينال رضا إيرينا وعوازي فتتبدل حياته، ويقترب من تحقيق الحلم، وللمرة الثانية يتهمه العميل الاسرائيلي، بأنه يجلب معلومات مهمشة لا قيمة لها ولا نفع، فيسأله عبد الله سؤالاً ساذجاً: ما لهذه الأمور والمؤسسات التجارية؟

وكأنه ضغط على مفتاح تفجير الديناميت بسؤاله البريء، ما الذي جرى؟ سألت إيرينا محتدة . . تلعثمت الإجابة على لسانه، وعاوده شعوره القديم بالخوف والضياع، وصرخت به ثانية تسأله: ماذا فعلت؟ لم ينطق. الدهشة الممزوجة بتقلصات التوتر تملأ وجهه. يتركهما عوازي ويخرج فتعاوده جرأته شيئاً فشيئاً فيسأل إيرينا: ما العمل؟ تتركه هي الأخرى يغرق في اضطرابه، وتلحق بعوازي في حديقة المنزل.

كان عوازي هادئاً مبتسماً على عكس حاله مع عبدالله منذ ثوان. وحدثها ببضع كلمات فعادت الى تلميذها الخائب، فما ألطفه من تلميذ يجلس على حافة المقعد يفرك يديه قلقاً. . تستغيث بها نظراته اللهفى..

برقة فيها ملاحة وذكاء، أفهمته مدى الخطأ الذي ارتكبه عندما سأل عوازي، وطلبت منه ألا يعاود السؤال مرة أخرى عما يطلب منه من معلومات أو إيضاحات. فالعمل التجاري سوف يفشل إذا لم تكن هناك دراسة متأنية عن أحوال البلد تجارياً. . واقتصادياً .. وعسكرياً..

دخل عوازي الغرفة في تلك اللحظة ليقرأ دهشة عبد الله فيعقب: نعم يا صديقي، مهم جداً أن نعرف كل شيء كي لا نضحي بأموالنا هباء. نحن مجموعة من رجال الأعمال الإيرانيين، نود إقامة مشروعنا في أمان، فماذا لو أن هناك اضطرابات في السوق العراقي؟ ألا يجب أن نطمئن لنعمل بثقة؟ فاستقرار السوق هنا واضطرابه له صلة وثيقة بالسياسة. والجيش يتحرك ويتطور تبعاً للسياسة.

وضحت المسألة إذن؟ سألت إيرينا وأردفت: قم معي عبدالله اشتقت الآن لدروسي.

أغلقت حجرتها وراءهما قبل أن تستجيب لشراهة قبلته، وطالبته راجية بألا يقصر في مهمته التي ستعود عليهما معاً بالخير الوفير !!

منذ ذلك الحين انطلق عبدالله بلا أدنى خوف أو قلق، تدفعه رجاءات إيرينا ولهفته عليها، وبعد أربعة أشهر اكتشف حقيقة مهمته وظن أنه يعمل لصالح السافاك في إيران، وبرغم ذلك. . لم يتوقف أو يتخذ مساراً عكسياً، فقد كان المال وما يزال حلمه الأول الذي يسعى اليه، أما إيرينا فكانت حلمه الثاني الذي لن يتحقق إلا بالأول.

تعهده عوازي في كل زيارة له بدورات تصقل موهبته في إدارة الحوار، وملاحظة الأشياء بعيني جاسوس فاهم، وكانت لقاءاتهما تتم كالعادة في منزل خوجة زلخا، الذي اصطحب أسرته على حين فجأة الى إيران، ودون أن تودعه الحبيبة الصغيرة إيرينا الوداع الأخير.

صدمته كانت قاسية برغم تأكيدات أستاذه بعودتهم، إلا أن إحساساً تملكه بأن لن يراها مرة ثانية، فقد وقعت نكسة 1967 واتسع جرح الألم العربي، وظلت زوجته لأيام طوال تبكي فتعجب لأمرها، وقال لنفسه: لو لم تكن هذه الحرب ما هربت إيرينا، ألا ينتهي هذا الصراع وتتوقف الحروب؟
البحث عن خونة

. . ليس من السهل شراء الذمم فجأة. بل يتم ذلك بعد دراسة مستفيضة لكل الظروف النفسية والاحتمالات، هكذا يقر خبراء أجهزة المخابرات السوفييتية، أول من وضعوا قواعد علمية ثابتة للسيطرة على الجواسيس.

إلا أن رجال الموساد – في حالات كثيرة – يرفضون العمل بنظرياتهم، فبينما يرى السوفييت أن محاصرة الشخص المطلوب تجنيده ومباغتته في أسرع وقت، دون أن يجد فرصة للتفكير، أسهل وسيلة لإخضاعه إذا ما كانت هناك أدلة – ولو ضعيفة – تدينه. ونجحوا في تأكيد ذلك من خلال تجنيد دبلوماسيين غربيين ذوي شأن، سقطوا بسهولة مدهشة في قبضتهم دونما مقاومة.

على النقيض من ذلك نجد أن الموساد قد تلجأ لوسائل وحيل غريبة، تستغرق وقتاً أطول من اللازم لإخضاع الجواسيس، والثقة في نظرية "تليين الهدف المتدرج" وعدم اللعب بأعصابه، أمر مهم عند الموساد.

فهناك خونة كثيرون سقطوا في براثنها دون أن يعلموا بأنهم عملاء لها. إنه إذن في الإقناع والايحاء، ودراسة سلوك العميل ومداركه واعتقاداته، والمقدرة على تشكيل آرائه وثقافته من جديد، بما يخدم قضيتهم التوسعية وأمنهم.

هذا التباين في أسلوب السيطرة ومدته، نلحظه أيضاً في شتى أجهزة الاستخبارات. فلكل جهاز أسلوبه القائم على نظريات وضعها خبراء متخصصون، ولكنه يؤدي في النهاية الى اصطياد العملاء وتجنيد الجواسيس، وهذا هو المهم. خطا عبد الله خطواته الأولى كجاسوس، يعتقد بأنه يعمل لصالح المخابرات الإيرانية "السافاك" ونشط جاهداً في البحث عن أخبار القواعد الجوية القريبة من بغداد – وبالأخص قاعدة الرشيد الجوية -، وملاحظة التغييرات والتجديدات بها. واستطاع أن يتوصل لأسماء أنواع جديدة من الرادارات السوفييتية، وعندما حمل كاميرا التصوير الصغيرة، التي في شكل ساعة اليد، عجز عن تشغيلها بمهارة وارتجف ساعده، وخبأ الميكروفيلم بقاع سحري بحقيبة يد صغيرة.

وفي رحلة أخرى لمعاودة التصوير اصطحب معه زوجته، وفي الطريق بقرب إحدى القواعد العسكرية، لاحظت سهيلة توتره وإتيانه بحركات غريبة ويده على كتفها.

لم تفهم في بادئ الأمر، ولما حدقت في الساعة الغريبة بعيني فاحصة، أدركت الحقيقة. فكتمت سرها وراحت تراقب أفعاله وتصرفاته. . حتى اكتشفت مخبأ "الساعة الكاميرا" في كعب حذائه الجديد، فأسرعت الى مخفر الشرطة بالقرب من المسكن، ولم يصدق الضابط الصغير اعترافها، فأبلغ فوراً الأجهزة الأمنية المختصة. وتقوم حملة مفاجئة تكتسح الدار فجراً أثناء نومها، فترشد سهيلة عن الكاميرا، ويصعق عبدالله لا يصدق أنها النهاية، وبينما عملية التفتيش مستمرة يغافل حراسه ويضرب راسه في عنف بالحائط، ويحملونه بأنهار دمائه الى التحقيق، وكانت أدلة خيانته المضبوطة، بالإضافة الى اعترافه، تذكرة دخوله لحجرة الاعدام.

هكذا غاصت أحلام الدميم في قاع الوهم، وظل طيلة أشهر المحاكمة مصراً على أنه متورط مع السافاك لا مع إسرائيل، لكن القرائن كلها كانت تدينه، وتؤكد عمالته للموساد. إنها الحالة الأولى لجاسوس عراقي، خدعه أستاذه وأقنعه بأنه عميل لإيران، أو لنقل أنه ربما ادعى ذلك حتى آخر لحظة لينجو من الإعدام.

أيضاً. . إنها إحدى الحالات القليلة لجواسيس يعملون منفردين في العراق بلا شركاء، أو شبكة من العملاء المحليين.

وفي زنزانته الانفرادية الضيقة قبل إعدامه بأيام قليلة، أصيب بمغص حاد كاد يفتك به فنقلوه الى المستشفى وأجروا له عملية الزائدة الدودية، ثم عاد الى السجن ليعد شنقاً في 28/3/1968، وعثروا في زنزانته على دفتر صغير سجل به مذكراته، وضمنه أدق تفاصيل حياته وآماله التي لم تتحقق، وقد أفرد مساحة كبيرة لوصف حبه لإيرينا، وثقته بأنها أحبته كما أحبها.

لقد عاش عبدالله سليمان معقداً. . مطحوناً. . واهماً. .

وأعدم وهو ما يزال واهماً .. تحفه خرافات المشاعر، يأبى أن يصدق أنه كان غبياً.. أبلهاً..

أما سهيلة. . فقد وصلت أمنيتها لمسؤول كبير، فأرسل بها الى "يوغوسلافيا" لإجراء عملية جراحية تقضي على "الحول" نهائياً، وزف اليها خبر إعدام عبدالله، فعادت الى منزلها تترقرق بعينيها الدموع .. دموع الحسرة، على مصير رفيق حياتها . .الخائن .. !!

_____



_____




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://zohor-mostaqble.ahlamontada.net/index.htm
Mostafa
مراقبـ
مراقبـ


ذكر
عدد المساهمات: 2607
العمر: 18
العمل/الترفيه: لعب كرة القدم
فصل: 1/5 ث وبلا فخر
المزاج: راااااااااااااااايق!!
مزاجي اليوم:
المهنة:
الهواية:
أوسمة العضو:
نقاط: 12748
السٌّمعَة: 33
تاريخ التسجيل: 18/01/2010

مُساهمةموضوع: من أقذر الجواسيس..عمـــر حمـــودة..   الجمعة يونيو 11, 2010 9:07 pm

عمـــر حمـــودة

بطل هذه الحكاية .. نوع حقير جداً من البشر، ويعد من أقذر الجواسيس المصريين الذين عملوا لصالح إسرائيل على الإطلاق . . إذ تجمعت فيه كل صفات الشذوذ واللوطية، وفقد انتماءه للرجولة .. والوطن.

استغل أخطاء الجاسوس شاكر فاخوري وذهب بنفسه الى القنصلية الاسرائيلية في استانبول عارضاً خدماته.

لكنه في غفلة منه. . فوجئ بسقوطه في سرعة مذهلة، وبنفس الخطأ الذي وقع فيه الجاسوس السابق.

إنه أول وآخر جاسوس مصري ألقي القبض عليه بالمدينة الجامعية للطلاب، وايضاً . . أشهر جاسوس يعشق القيام بدور امرأة ! !
البحث عن طريق

إذا كان الجاسوس الشاذ شاكر فاخوري – أول مصري سلم نفسه للسفارة الاسرائيلية في قبرص ليعمل جاسوساً على مصر – فهذا هو محمد عمر حمودة – شاذ آخر – أعجبته فكرة الحصول على المال بالطريق السهل، وسلم نفسه أيضاً برضاء تام الى القنصلية الاسرائيلية في تركيا، معتقداً أنه قام بدراسة قصة زميله الشاذ، وعرف مواطن الخلل التي أدت الى سقوطه، وأنه سيأمن كل تلك الأخطاء ليظل بذلك بعيداً عن أعين وآذان المخابرات العربية. . ويعمل في صمت لصالح المخابرات الاسرائيلية

حصل عمر حمودة على الثانوية العامة سنة 1971 بمجموع هزيل لم يحقق له أدنى طموحاته، وكانت أعظم أمانيه في تلك المرحلة من العمر، أن يهنأ بعلاقة مع شاب شاذ يشاركه شذوذه، ويستمتع معه بالحرية الجنسية التي يحلم بتحقيقها.

كان عمر حمودة على العكس من الجاسوس السابق. . شاذاً سلبياً . أي يفضل أن يقوم بدور الأنثى.

هذا الشذوذ كبر معه منذ الصغر، واستفحل الداء عنده للدرجة التي لا حل معها. وقد ضربه أبوه مرات كثيرة بعدما انتشرت حكاياته وفضائحه، وكان في العادة يبكي بعنف لوالده ويعده بأن يلتزم ويتأدب. لكن لا فائدة . . إذ كبر شذوذه وفشل معه علاج الطب وعلاج الضرب والإيذاء. فكم تكوم الشاذ في أحد أركان "البلكونة" عقاباً له عشرات الليالي مكبلاً ومحروماً من الطعام والماء، وبمجرد إطلاق سراحه "يسرح" في الخرابات ودور السينما يبحث عن صيد شاذ.

وعندما طلب لتأدية الخدمة العسكرية سر كثيراً. لكن .. سلموه شهادة الإعفاء وقالوا له "الجيش يطلب رجالاً فقط" فعاد مقهوراً.. ومرت به الشهور كئيبة. إذ قلما عثر على ضالته لضيق ذات اليد بعدما أمسك والده عنه مصروفه الذي ينفقه على شذوذه. . وكثيراً ما خلا الى نفسه يبكي ضعفه ويرجو خلاصاً له من العار ولكن هيهات، فداء الشذوذ عنده أقوى من نداء التوبة.

أخيراً لملم أشلاء عقله المنهك وقرر أن يغير خطة حياته كلها.

وجاءه هذا القرار بعدما قرأ عشرات التقارير عن الشذوذ في الجيش الاسرائيلي، وشواذ أوروبا الذين لا يخجلون من شذوذهم، ويجهرون به بدعوى الحرية. وامتلأت رأسه بأفكار كثيرة تقوده في النهاية الى حتمية الحياة في مجتمع متفتح يستطيع فيه أن يمارس شذوذه دون إحساس بالنقيصة أو بالانزواء.

وعندما أعاد قراءة قصة الجاسوس شاكر فاخوري – الشاذ الايجابي – وكيف طرق بنفسه باب السفارة الاسرائيلية في نيقوسيا – أدرك أن هناك خطأ ما قاده الى مصيره المظلم وأن بإمكانه – هو – ألا يخطو خطوة واحدة، دون حساب للخطوة التي تليها. ودفع عن رأسه فكرة محاكاة شاكر. لكن عقله المشوش غامت به الأفكار واحتفظ لنفسه بما قرره، وأعد أوراقه للسفر الى حيث تبدأ حياة جديدة، بعيداً عن مجتمع يقهر فيه رغبته وشذوذه.

تسلم عمر حمودة جواز سفره وحجز تذكرة بالطائرة الى استنابول. . وأسكرته حقيقة وجوده على أرض أجنبية بلا رقيب يحد من سلوكه أو يراقبه.. واستنشق لأول مرة هواء حريته وتحرره حتى كاد أن يصرخ فرحاً أمام ساحة المطار. . فأضواء المدينة من بعيد كانت تتراقص كأنها حبيبات من اللؤلؤ البراق. . وتصدح بأذنيه أغنيات لا يفهمها ولكن إيقاع الموسيقى يتناغم مع شرقيته ويدعوه الى الانتشاء.

استقل سيارة الى بنسيون "بورال" الواقع في منطقة شعبية تفيض زحاماً وضجيجاً، وقذف بحقيبته داخل الغرفة وخرج كالملهوف يجوب شوارع المدينة الساحرة الواقعة على بحر مرمرة المخنوق ما بين مضيقي البسفور والدردنيل.

تراقصت حواسه تلذذاً بفعل السعادة الغامرة التي تملكته عندما وصل الى أحد الميادين الشاسعة، ودلف الى الحديقة المظلمة التي تقتطع جزءاً كبيراً منه، واقترب من عشرات "الهيبيز" من الجنسين الذين اتخذوا من الحديقة منتدى لهم ومأوى، ووسط هذا الخضم من المزيج حاول أن يبحث لنفسه عن مكان بينهم. لكن حاجز اللغة منعه وصدمه في بادئ الأمر، حتى اكتشف أن هناك لغة خاصة جداً لا يفهمها سوى الشواذ أمثاله، ومن خلالها تقرب بأحدهم واختلى به جانباً يتذوق على أرض تركيا طعم الحرية التي حرم من مذاقها علانية في مصر.

إن لغة الشواذ لا تنطق بلغة واحدة، بل تنطق بكل اللغات بلا حروف أبجدية أو قواعد. إنها لغة الإشارات التي تحس وتفهم تماماً فيما بين مجتمع اللواطيين الذين يجوبون كل مدن أوروبا، ويتخذون من شوارعها وحدائقها منفثاً لإفراغ مخزون قيودهم . . وعقدهم فيتحللون من قواعد السلوك السوي ويتلاوطون كالكلاب الضالة.

أربعة أيام مرت وعمر حمودة يتعاطى الشذوذ في حدائق استانبول، الى أن سرقه أحدهم فخلت جيوبه من النقود، وفي الحال قرر تنفيذ خطته التي رسمها مرات ومرات في خياله قبل أن يغادر مطار القاهرة.

وعندما سأل موظف الاستقبال في البنسيون عن مكان السفارة الاسرائيلية قال له إن السفارة في العاصمة أنقرة، أما القنصلية الاسرائيلية فمقرها في استانبول.

كانت نيته مبيتة بالفعل على اتخاذ خطوته المجنونة. . لذلك لم يحاول البحث عن عمل أو يسعى من أجل ذلك. . فالفكرة كانت قد اختمرت برأسه وأصبح من الصعب أن يتراجع، وعندما شرع في التنفيذ، لم يطلب القنصلية تليفونياً بل ذهب اليها بنفسه فوجد بابها موصداً، وفكر في الرجوع ثانية الى البنسيون لكنه بعدما خطا عدة خطوات عاد ثانية ودق الجرس، فانفتح الباب فجأة وصدمته المفاجأة، لكنه تسمر مكانه أمام حارس الأمن الذي كرر السؤال عليه عدة مرات:

- ماذا تريد؟

وفشل في أن يجيب إجابة مفهومة وتعثر في النطق بينما كانت يده تبحث عن ورقة تنقذه من ورطة الموقف.
ذاهب بقدميه

نظر الحارس في الورقة الصغيرة ثم رفع وجهه الى هذا الطارق الغريب، وقام واقفاً وهو يرمقه متفحصاً بدهشة، وتركه بالباب مهرولاً الى الداخل ليعود بعد لحظات برفقته رجل في نحو الخامسة والأربعين، صالح عمر حمودة وباندهاش سأله بالعربية:
- هل أنت مصري؟

قال له:
- نعم. .

فجذبه الى الداخل وانفرد به بعيداً في مكتب أنيق وقال له:
- قلت في الورقة أنك تريد مقابلة أحد المسؤولين لأمر هام. فماذا تريد؟

أخرج حمود جواز سفره وقدمه الى الاسرائيلي وهو يقول:
- أنا لا اريد العودة الى مصر. . لقد كرهت مصر وكل ما فيها وكثيراً ما فكرت في البحث عن دولة أخرى أعيش بها وهداني تفكيري إليكم.

فقال له الاسرائيلي متعجباً:
- لماذا نحن بالذات؟ ولماذا لم تلجأ لدولة عربية بدلاً من إسرائيل التي هي في حالة حرب مع مصر وكل دول العرب؟

أجاب حمودة:
- أنا أحلم بالحياة في إسرائيل حيث الحرية بلا حدود وفرص العمل متوفرة والعائد المادي كبير جداً قياساً بكل دول العرب.

لم يستغرق الحوار دقائق قليلة كما كان حمودة يعتقد.. بل امتد لساعات طويلة في حجرة أخرى مجهزة بأحدث الأجهزة التنصتية، وكاميرات تنقل كل ما يدور لحجرة أخرى بها أجهزة التسجيل، وجيء بعدة أوراق انكب الخائن على كتابة سيرة حياته منذ البداية وتفاصيل وأسماء أقاربه ووظائفهم وآراؤه في كل شيء في مصر.

وفي مثل هذه المواقف يعمد ضباط المخابرات الى إظهار عطفهم، وإضفاء روح التقارب مع الخونة لإزالة حاجز الخوف والرهبة وبث الطمأنينة في نفوسهم. وقام ضابط الموساد في القنصلية بترتيب غرفة رائعة بفندق فخم نزل بها الخائن ضيفاً على القنصلية الاسرائيلية عدة ايام.

كان القصد من تركه هكذا بمفرده تحليل الواقعة تحليلاً منطقياً ونفسياً، خوفاً من أن يكون حمودة عميلاً للمخابرات المصرية يقود الاسرائيليين الى شرك محكم.

وبعد مراقبته مراقبة لصيقة، ثبت لهم أنه شاب لا انتماء وطني لديه، وبإمكانهم استغلاله في القيام بما يطلب منه مقابل المال.

ونتيجة لما توصلوا اليه، زاره أحد الضباط وعرفه باسمه "النقيب سامي" ودارت بينهما حوارات طويلة، قال خلالها حمودة إنه تأثر بقصة شاكر فاخوري الذي وقع في قبضة المخابرات المصرية، وكيف أخطأ شاكر عندما أغدق على الضابط المصري بالهدايا الثمينة في محاولة لتجنيده دون أن يحسب حساباً لوطنيته.

أخذ ضابط الموساد يعدد للخائن الخدمات التي قدموها لشاكر فاخوري، وكيف أنهم عرضوا استبداله بعدد من الأسرى المصريين والعرب، وعندما رفضت الحكومة المصرية عرضوا مقابل الافراج عنه ملايين الدولارات فرفضوا ايضاً. لكنهم – على حد زعمه – مارسوا ضغوطاً دولية جادة وعنيفة من أجل إنقاذه من حبل المشنقة.

أسهب النقيب سامي – كذباً – في تبرير محاولات إسرائيل شراء الجواسيس العرب الذين اكتشف أمرهم، مدعياً أنه لولا وقوف إسرائيل الى جانبهم لأعدموا، لكن الحكومة المصرية والحكومات العربية – نظراً لوجود أسرى حرب – فصفقات تبادل الجواسيس عادة ما تتم في السر بعيداً عن الأضواء وأجهزة الإعلام.

عندها قال حمودة معقباً:
- نعم . . نعم . . فلذلك جئت اليكم بنفسي أعرض خدماتي، وأضع نفسي تحت إمرتكم على أن تسمحوا لي بالعيش مدى الحياة في إسرائيل.

لم يعقب ضابط المخابرات بل أعطاه النقود وقال له:
- أنت شاب مغامر لم تجئنا اعتباطاً بل لأنك تعرف جيداً أن المخابرات الاسرائيلية أقوى جهاز مخابرات في العالم. وأن إسرائيل هي واحة الحرية في منطقة عربية محاصرة بالتخلف والقهر والدكتاتورية.

وأضاف النقيب سامي:
- سننظر في أمرك باهتمام بالغ، ولكننا الآن نريد منك أن تساعدنا في مهمة بسيطة ستسافر لإنجازها في لبنان لنتأكد من مدى إخلاصك لنا.

في الحال وافق حمودة وأعلن سعادته بهذا التكليف، وبدأ الضابط اليهودي في تدريبه على أعمال التجسس خاصة فيما يتصل بالمهمة المحددة التي سيكلف بها.

خلال ذلك كان حمودة لا يكف عن زيارة حديقة الهيبز حيث يلتقي بأمثاله من الشواذ، وكانت هذه اللقاءات هي المصدر الأول لسعادته، إذ أنه بعد كل لقاء كان يصفو ذهنياً ويهيأ لتلقي جرعة الجاسوسية اليومية والتدريبات المهارية، وتتشكل لديه أمام بريق الدولار روح المغامرة والفدائية فيقدم على هضم الدورة المكثفة التي يدرسها في حجرته بالفندق، وعندما ركب الطائرة الى بيروت كانت لديه جرأة عجيبة للعمل لصالح الموساد، وابتدأت المهمة.
مهمة في بيروت

أفرزت نكسة يونيو 1967 عاملاً مهماً على الصعيد العربي يتمثل بالالتفاف الشعبي الهائل حول المقاومة الفلسطينية، خاصة في الوقت الذي أصبحت فيه هذه الظاهرة نقطة بارزة في عملية الصراع العربي – الصهيوني. بالإضافة الى ما أحرزته المقاومة من ضربات ناجحة ضد العدو في أكثر من موقع، وفي مختلف المجالات.

لذلك عمدت الاستخبارات الاسرائيلية الى ملاحقة المقاومة الفلسطينية، عبر زرع العملاء والجواسيس في مختلف الأقطار العربية التي تتواجد فيها قواعد المقاومة، بهدف الحصول على المعلومات الضرورية حول تحركاتها ومراكزها وتسلحها وتنقلات قادتها. كما لجأت الى إحداث عمليات تخريبية سياسية وطائفية لبلبلة الأوضاع في البلاد العربية. فتوجه بذلك أصابع الاتهام الى المقاومة، وتولد ضدها موجة من العداء والكراهية تستهدف عرقلة مسيرتها وتقدمها.

من هذا الاتجاه. . ركزت الاستخبارات الاسرائيلية جهودها على القرى اللبنانية الحدودية التي يتسلل الفدائيون الفلسطينيون عبرها لتنفيذ عملياتهم ضد مؤسسات العدو ومنشآته وأفراده. ونجحت هذه الاستخبارات في تجنيد بعض الخونة من سكان هذه القرى الحدودية التي تمثل نقطة عبور الى الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكان من بين هؤلاء العملاء الخونة – نايف المصطفى – اللبناني من قرية "البستان" الحدودية الذي قبض 400 ليرة مقابل خيانته كل شهر. كان هناك أيضاً – أحمد ضاهر – من قرية "عيترون" ونايف البدوي من "بارين" وخميس أحمد بيومي وجميل القرح والعشرات غيرهم.

كل هؤلاء الخونة أغدقت عليهم المخابرات الاسرائيلية واشترتهم، واستفحل الأمر كثيراً حتى أن علي حسن سلامة اكتشف بنفسه 24 عميلاً للموساد جرى إعدامهم في غضون شهور قليلة، مما يؤكد تغلغل الموساد بكثافة داخل الأراضي اللبنانية، لحماية حدودها الشمالية من هجمات الفدائيين الذين لم يكفوا عن التسلل الى الأرض المحتلة.

كانت مهمة عمر حمودة في لبنان مهمة محدودة، وهي الانضمام الى إحدى المنظمات الفدائية لجمع أكبر قدر من المعلومات عن الفدائيين.

وللأسف الشديد جرى تدريبه على استعمال السلاح والمتفجرات في معسر تابع لإحدى المنظمات الفلسطينية تمهيداً لإرساله الى الأرض المحتلة للقيام بعمليات فدائية داخل المستوطنات الشمالية. وكان الجاسوس الجديد الذي وثق به رجال المنظمة يسجل كل صغيرة وكبيرة في لبنان. . فيما يتعلق بالمقاومة ومسؤوليها ومواقع تدريباتها وأسلحتها وعناصرها، بل وعناوين بعض قادتها في حي "الفكهاني" ببيروت والذي يقيم به جمع غفير من الفلسطينيين.

كانت هناك أيضاً دلائل على اشتراكه في جمع التحريات والمعلومات عن ثلاثة من قادة منظمة أيلول الأسود الذين جرى اغتيالهم في بيروت في 9 أبريل 1973. . وكانوا يقيمون في عمارة واحدة واشتركوا معاً في تدبير مذبحة ميونيخ في 5 سبتمبر 1972 والتي راح ضحيتها 11 إسرائيلياً.

وبعد أن جمع عمر حمودة حصيلة هائلة من المعلومات أراد السفر بها الى استانبول على وجه السرعة، فادعى لقادة المنظمة أنه مضطر للسفر الى القاهرة للتصديق على شهادة الثانوية العامة التي يحملها للالتحاق بإحدى كليات جامعة بيروت العربية الى جانب عمله الفدائي في المنظمة.

بسهولة بلا تعقيد وافقوا بالطبع على سفره، ومن مكتب سفريات "بلانكو" في ساحة البرج في بيروت أستقل سيارة الى دمشق عبر جبال لبنان المكسوة بأشجار الأرز والفاكهة. وفي دمشق زار صديقاً له في ضاحية "دوما" ثم استقل أتوبيساً الى حلب بالشمال ماراً بمدينة حمص أشهر المدن السورية في طيبةأهلها، وتحاك حولهم النكات اللاذعة كأهل الصعيد في مصر، وفي حلب الشهباء توقف لزيارة أحد معارفه في القصر العدلي ثم عبر الحدود السورية الى تركيا حيث ينتظره في استانبول ضابط المخابرات الاسرائيلي – النقيب سامي – فسلمه ما لديه من معلومات وخرائط تفصيلية هامة، توضح الطرق الجبلية التي يسلكها الفدائيون المتطوعون من سوريا الى لبنان، بالإضافة الى معلوماته الأخرى عن منظمة التحرير.

سر ضابط الارتباط كثيراً لنجاح المهمة الأولى، ونجاح تلميذه المدرب في العودة بحصيلة رائعة من المعلومات من لبنان. وتركه في جناح فاخر بالفندق الفخم حتى تصل أوامر جديدة بخصوصه من تل أبيب، وبعد عدة ايام زاره يحمل اليه هذه المرة خطة جديدة ومهمة أخرى في القاهرة.
إلا القاهرة

احتج عمر حمودة بشدة على أوامر المخابرات الاسرائيلية، وحاول كثيراً ألا يوافق عليها . . إذ كيف له أن يعود الى القاهرة وهو الهارب منها؟ وبعد جلسة عاصفة استسلم مرغماً. ففي عالم المخابرات والجاسوسية لا يتنصل عميل من مهام أوكلت إليه على الإطلاق، إذ ليس في الجاسوسية هرج ولا في عمل المخابرات هزل.

كان يدرك أنه وقع لا محالة بين فكي رحى لو هرب من هذه، طالته تلك، وكانت مهمته في القاهرة كبيرة ومتعددة. فقد كان المطلوب منه أن ينجح في القاهرة مثلما نجح في بيروت وحقق بها أكثر مما هو مطلوب منه فاستحق مكافأة سخية من المخابرات الاسرائيلية مع رضاء عن عمله.

ولكي ينجح في مهمة القاهرة. . كان لا بد له من معرفة وثيقة بكل مجريات الأحداث داخل أسوار الجامعات، وأيضاً الحركات الطلابية التي نشطت كثيراً في مصر بزعامة طلاب عملوا على بث الروح الوطنية في نفوس زملائهم، وتحفيز الغالبية على الثورة على النظام القائم في مصر حينذاك بعدما كثرت الوعود البراقة بالانتقام من إسرائيل وضربها.

لقد كانت المنشورات الحماسية وقتها تجد مناخاً صحياً بين فئات الطلاب، فتنتشر وتؤثر، وبرزت المبادئ الناصرية الحماسية لدى الغالبية منهم، وكلما اعتقلت الداخلية النشطاء البارزين برز غيرهم، واتخذت المواجهات الطلابية مع الشرطة طابع الندية، وعم إحساس مرير بالذلة وبالعار. وضرورة الثأر من إسرائيل.

وفي وسط هذا الجو المشحون جاء الجاسوس الشاذ الى مصر في أول ابريل 1973، يحمل عدة آلاف من الدولارات وبعض الحقائب الكبيرة المنتفخة .. تحوي هدايا لأسرته، وخاصة لأخيه عبد الحميد الطالب بالسنة الرابعة بكلية التربية جامعة عين شمس.

كان عبد الحميد يقيم بالمدينة الجامعية المجاورة لوزارة الحربية ولمسجد الزعيم جمال عبد الناصر ، ولكثرة تردده على شقيقه تعرف بالطبع على زملائه بالمدينة الجامعية، الذين أظهروا حفاوة كبيرة بشقيق زميلهم وأكرموه، وأنسوا اليه والى حكاياته عن تركيا و"بنات" استانبول حيث أفاض في سرد أكاذيب ملفقة عن علاقته بهن وسهولة تكوين الصداقات والعلاقات "الخاصة" معهن.

وبعد عدة زيارات للمدينة الجامعية للطلاب.. أحس الجاسوس بمدى التقارب الذي نشأ بينه وبين زملاء شقيقه عبد الحميد، فتطرق بعد ذلك الى موضوعات سياسية أكثر "سخونة"، وينصت مستمعاً الى ما يلقوا به على مسامعه من أخبار وتحركات وغليان داخل أسوار الجامعة. فكان يبدي اندهاشه كثيراً أمام تلك الأخبار، وكلما اندفعوا بحماسهم ازداد حماساً هو الآخر، وقد أضفى على نفسصه هالة من البطولة والوطنية مدعياً بأنه ضد النظام القائم في مصر مثل غالبية المصريين، بل إن حماسه اشتعل أكثر وأكثر وزعم أنه كُلف من قبل المخابرات الإسرائيلية بحرق القنصلية المصرية في بني غازي، وذلك في هوجة المظاهرات العادية لمصر التي وقعت في ليبيا في تلك الفترة.

وبهدوء شديد انتبه الطلاب لما يقوله، وأظهروا له أنهم صدقوه عندما رسموا على وجوههم ملامح الدهشة لوجود "بطل" بينهم قام بأعمال خطيرة، من شأنها أن ترفعه الى مصاف "الوطنيين المخلصين". وعندما كلفهم بكتابة تقارير مفصلة عن الحركة الطلابية داخل الجامعة لكي يقرأها "على مهل" بعد ذلك، ازداد يقينهم أن في الأمر ثمة لغز، وأن هذا الشخص يخفي وراءه الكثير.

تظاهر الطلاب بالموافقة على كتابة التقارير، وحملوا شكوكهم الى اللواء سيد فهمي رئيس مباحث أمن الدولة، الذي كلف اللواء أحمد رشدي ، مدير مباحث أمن الدولة، بوضع خطة محكمة، بالتعاون مع هؤلاء الطلاب، لإلقاء القبض على الجاسوس والحصول على أدلة مسموعة ومكتوبة تدينه. (1)
بعد وفاة الزعيم

منذ تولى أنور السادات الحكم في مصر خلفاً للزعيم جمال عبد الناصر في 20 ديسمبر 1970، اتجه في سياسته كلية الى استراتيجية المصالحة مع إسرائيل التي كانت في اعتقاده الشخصي هي أسهل الطرق وأقربها للوصول الى الزعامة العربية التي ينشدها عن طريق حل سلمي لمشكلة الشرق الأوسط بمشاركة أمريكا، وما يتبع ذلك من حقن للدماء ورخاء. ولم يكن السادات يهتم كثيراً بمضمون السلام أو ضماناته ونتائجه بقدر ما كان يبحث عن زعامة شعبية تفوق زعامة جمال عبد الناصر.

عمد السادات أولاً الى الإطاحة برموز السلطة الموالية لعبد الناصر في مايو 1971، وتفرغ بعدها كلية لفتح قنوات الاتصال السري مع الولايات المتحدة الأمريكية، والانفراد وحده بالسلطة بعد تغيير الهدف الاستراتيجي للدولة، وتهويل خسائرنا في الأرواح والمعدات في حالة الحرب، واستخدام وسائل الإعلام المختلفة لنبذ الحرب وإشهار أسلوبه الجديد في معالجة أزمة الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي. وكان على السادات أن يقضي على أي صوت معارض لآرائه، واتجاهاته.

<!--SPIP→ لذلك تكونت قوة معارضة داخلية أقلقت مضجعه، الى جانب معارضة الاتحاد السوفياتي لسياسيته، فقام بطرد الخبراء السوفييت من مصر، وتسربت الأنباء عن نية السادات في الموافقة على اقتراح لموشي دايان بأن تسحب إسرائيل قواتها شرق القناة لمسافة تتراوح بين 30 – 40 كيلومتراً في مقابل عودة الملاحة الى قناة السويس. وبرغم تنديد السادات للاقتراح الإسرائيلي إلا أنه فكر كثيراً في هذا الحل الذي سيعطيه بريقاً وزعامة لانسحاب اليهود دون إراقة نقطة دماء واحدة.

ولأن المعارضة الداخلية علا صوتها، وطالب النبض الجماهيري بالثأر للكرامة العربية، واسترداد الأرض عملاً بمقولة عبد الناصر "ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة"، كانت معارضة الطلاب في الجامعات المصرية تتخذ أشكالاً متعددة. نجمت عن تفريخ خلايا ناصرية قوية مؤمنة بمبادئ عبد الناصر وخطه السياسي، فظهرت المنشورات السرية بين الطلبة تفيض بالوطنية، وتندد بسياسة السادات ورؤيته للأزمة، وعم الشعور الوطني سائر الطلاب في انحاء الجمهورية، وتعددت بالتالي مطالبهم بالسير على نهج الزعيم السابق لاسترداد الحق المسلوب.

كانت إسرائيل هي الأخرى في حالة غليان لا ينقطع، والتقارير الوافدة اليها لا تكاد تبين الرؤية الحقيقية، أو النهج الاستراتيجي الذي تتخذه الحكومة المصرية إزاء مواجهة الرفض الشعبي لموقفها الغير واضح من الأزمة.

ومن هنا . . نشط جواسيسها في القاهرة لجس النبض العام المؤثر في الشارع المصري.. وهم الطلاب، الذين حملوا على عاتقهم دائماً منحنيات السياسة والقرار المصري . وكان هؤلاء الجواسيس بالعشرات في تلك الحقبة يمثلون شبكات منفصلة تعمل جميعها لأجل دولة إسرائيل، ومن بينهم كان الجاسوس الشاذ عمر حمودة الذي أرسل خصيصاً الى القاهرة لإعداد تقارير عن الطلاب داخل الجامعات المصرية، بعد نجاحه في مهمته السابقة بجدارة في لبنان، واكتسابه خبرة مخابراتية ومهارية عالية، تؤهله للعمل في مصر دون أن يكشفه جهاز المخابرات المصري.
سقوط الجاسوس

اختلط عمر حمودة بالمجتمع الطلابي بالمدينة الجامعية، واستطاع أن يدخل الحرم الجامعي في عين شمس الذي يضم كليات الحقوق والعلوم والآداب والتجارة. ومن خلال تردده المستمر تعرف بفتاة في السنة الثالثة بكلية الآداب، تدرس بقسم الدراسات اليونانية واللاتينية – أعرق أقسام الكلية – وحاول أن يوهمها بحبه. لكنها لاحظت كثرة حديثه عن إسرائيل واشتراكه في مظاهرات معادية لمصر في الخارج، فتخوفت منه الفتاة خاصة بعدما حاول مراراً أن يعرف من خلالها نبض الطلاب لكونها عضوة في اتحاد الطلاب، ففشل فشلاً ذريعاً معها . . في ذات الوقت الذي كان فيه زملاء شقيقه عبد الحميد، بالاشتراك مع مباحث أمن الدولة، يرتبون أمر الإيقاع به على وجه السرعة.

وحسب الخطة المرسومة أعد له الطلاب جلسة سمر في حجرتهم بالمدينة الجامعية بعد تزويدهم بجهاز تسجيل دقيق، وجلس الخائن بينهم يستعرض أعماله البطولية "الوهمية" في ليبيا معترفاً بأنه "عمل حاجة جامدة" وأقر صراحة بعلاقته بالقنصلية الاسرائيلية في تركيا وتدريبه بواسطة الموساد، وعرض عليهم خدماته المادية والمعنوية فيما لو أمدوه بصفة دورية بأنشطة الطلاب المعادية لإسرائيل، وبالمنشورات التي توزع داخل الجامعة. وحوت الجلسة تهجم الجاسوس على الأوضاع عامة في مصر وشتمه للمسؤولين وللحكومة.

وبعد عدة ساعات من السمر ذهب الخائن الى حجرة شقيقه في مبنى "د" بينما حمل الطلاب شريط الكاسيت الى فريق مباحث أمن الدولة المتواجد بالقرب منهم، وبعد الاستماع الى الشريط وعرض الأمر على المسؤولين، أصدرت النيابة أمراً فورياً بالقبض عليه.

وفي الساعة الثالثة من صباح يوم 19 مايو 1973 توجهت القوة المكلفة باعتقاله الى المدينة الجامعية واقتادته للتحقيق. وعندما تبين للخائن انكشاف أمره للسطات المصرية، أخذ يضرب راسه بقبضته ثم لطم خديه وبتفتيش أوراقه عثر على قائمة بالتكاليف التي جاء لأجلها وتضم "12" تكليفاً بخط يده بجمع معلومات عن الحركة الطلابية في مصر، والحصول على نسخ من المنشورات التي توزع داخل الجامعات، والعناصر التي تسيطر على الطلبة، ومعلومات عن الوضع الاقتصادي والسياسي، وأماكن الصواريخ على القناة، ورغبة الشعب المصري في الحل السلمي أو العكس، ومعلومات عن الطلبة الفلسطينيين في مصر، وعن الوحدة الاندماجية. ونصحه النقيب سامي قبل سفره بتمزيق ورقة التكليفات لكن الجاسوس نسى ذلك أو سخر من نصيحته. . وعثر لديه أيضاً على فاتورة الفندق في استانبول ومكتوب عليها "دفعت من قبل القنصلية الاسرائيلية".

اعترف الجاسوس بكل شيء أمام امحكمة أمن الدولة العليا، برئاسة المستشار مصطفى عبد الوهاب خليل، وحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة. برغم أن التحقيقات أكدت على أنه لم ينقل أية معلومات من مصر، وأن المعلومات التي ضبطت معه لا تشكل خطورة.

وكان من المحتمل نقله الى لبنان لمحاكمته لو أن الحكم عليه جاء بأقل من المؤبد، ولكن 25 سنة بين جدران السجن – عمر آخر – كفيل بأن يدمر ويبني أشياء كثيرة في حياة خائن ، شاذ !!

_____



_____




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://zohor-mostaqble.ahlamontada.net/index.htm
Mostafa
مراقبـ
مراقبـ


ذكر
عدد المساهمات: 2607
العمر: 18
العمل/الترفيه: لعب كرة القدم
فصل: 1/5 ث وبلا فخر
المزاج: راااااااااااااااايق!!
مزاجي اليوم:
المهنة:
الهواية:
أوسمة العضو:
نقاط: 12748
السٌّمعَة: 33
تاريخ التسجيل: 18/01/2010

مُساهمةموضوع: سمير وليم باسيلي ـ أول جاسوس يجند أباه للموساد   الجمعة يونيو 11, 2010 9:11 pm

سمير وليم باسيلي

السر العظيم

عندما ورط ابراهيم شاهين زوجته انشراح وأولاده الثلاثة. . ودفعهم بحماس للتجسس لصالح الموساد.. لم يكن دافعه الانتقام منهم.

كذلك هبة سليم. . التي جرجرت خطيبها المقدم فاروق الفقي للخيانة العظمى.. بالرغم من علمها أنه يحبها لدرجة الجنون.. لم يكن دافعها الانتقام منه.

أما جاسوس الاسكندرية. . السيد محمود. . الذي احتال على شقيقه أمين المجند بالقوات المسلحة. . وأغرقه في أموال الموساد. . فهو أيضاً لم يكن يقصد الانتقام منه.

لكن سمير وليم فريد باسيلي. . كان يختلف كثيراً عن هؤلاء وغيرهم. . إذ دفع بوالده – عن عمد – الى وكر الجاسوسية . . للانتقام منه. . وتشفياً به. . وورطه في عمليات تجسس لحساب إسرائيل . . انتهت بمصير مهلك لكليهما.

كيف حدث ذلك. . ؟

علماء النفس تحيروا. . ووقفوا عاجزين أمام أحداث القصة المؤسفة.. وفشلوا تماماً في تحليل شخصية الابن المجرم. . كما فشلوا من قبل مع ابراهيم وانشراح . .الذين قال عنهما أستاذ علم النفس النمساوي "فردريش يوجان":

"أعتقد أنهما مصابان بمرض "الجنون ذي الوجهين Folie a double forme ".. وهو مجموعة أعراض إكلينيكية قوامها خفض نغمة المزاج الوقتي LOWERING OF MOOD – TONE وصعوبة التفكير الذي يغلفه القلق وتسلط الأفكار . . وتهيج بعض الأحزان والهموم . .

ولأن حالة سمير باسيلي حالة فريدة من نوعها. . خضعت للعديد من التحليلات النفسية . . وضعته في النهاية في مصاف المرضى .. وصنفه "يوجان" على أنه "الدوني السيكوباتي التكوين CONSTITUTIONAL PSYCHOPATHIC INFERIOR " . . والسيكوباتي هو دائماً في حالة توتر. . لا يستفيد إلا قليلاً جداً بالخبرة أو العقاب. . ولا يدين بأي ولاء حقيقي لأي مبدأ أو جماعة.

فلنقرأ معاً تفاصيل قصة سقوط سمير باسيلي. . ولا نتعجب لتحورات النفس البشرية وتقلباتها. . فتلك قضية شائكة معقدة .. ذلك لأن النفس البشرية سر لا يعلمه إلا خالقها سبحانه وتعالى.
على مقهى برنسيس

حصل سمير على الثانوية العامة بصعوبة شديدة عام 1960 وتوقف عن إكمال دراسته بأحد المعاهد. فالأب . . كان بخيلاً شديد البخل. . شرس الطباع في معاملته لأبنائه. . لا يترك قط مساحة ضئيلة من التفاهم تقربهم منه، وكره سمير في أبيه سلوكه فأدمن الخروج من المنزل والسهر مع أصحابه. . ولم تنطفئ برغم ذلك حرائق الصدام مع والده. لذلك فكر في السفر الى ألمانيا بعدما ضاقت به الحياة وعضه الجوع.

وعندما عرض الأمر على أبيه لم يسلم من تهكمه وسخريته اللاذعة. . وذكره بالفشل الذي أصبح سمة من سمات شخصيته.. رافضاً بشدة إمداده بنفقات السفر رغم توسط بعض أفراد الأسرة.

استدان سمير من أصدقائه ووجد نفسه فجأة على مقعده بالطائرة في طريقه الى ألمانيا، يتنفس الصعداء ويلعن الفقر. . ويسب والده الذي حطم كل الآمال لديه فأشعره باحتقاره لنفسه.. ودونيته.. وبث بأعماقه شعوراً مخجلاً بالضعف والحقارة.

لقد كان يبخل عليه بأبسط بوادر الحنان والأبوة. . وحرمه الحب. . فعاش معه مزوياً بلا هدف أو كيان. وأخذ سمير يجتر ذكرياته المرة مع والده البخيل .. الذي دأب على تسميم بدنه ليل نهار بالسباب والحط من شأنه. . وتحريض أمه على طرده من المنزل كلما عاد متأخراً وحرمانه من العشاء والهدوء. . مما أثار شجن الشاب الممزق.. وكثيراً ما كان يسأل نفسه أهو ابن شرعي لهذا الرجل أم لقيط وجدوه على الرصيف.

تحركت به الطائرة على الممر.. وقبل أن ترتفع مقدمتها عن أرض المطار. . أخرج سمير منديله وبصق على معاناته وآلامه وحظه، وكأنه يبصق على كل ما يذكره بأيامه الكئيبة. وظل يسرح طوال رحلته في خيال جميل أفاق منه على صراخ عجلات الطائرة وهي تنزلق على أرض مطار ميونيخ. وشرع من فوره في محاولة تحقيق الحلم. . فاتصل بمعارفه هناك لمساعدته.. وسريعاً حصل على وظيفة معقولة بشركة سيمونز الشهيرة فعاش حياة رائعة لم يكن خياله يقوى على وصفها أو يتخيلها.

مرت الأسابيع والشهور وفتانا منهمك في عمله لا يبغي سوى جمع المال. . وبدأ رويداً رويداً في استطلاع الحياة الجديدة. . التحرر الصاخب الذي يغش المجتمع من حوله. . وساعده المال الذي ادخره على المغامرة. . فانغمس في عالم آخر بعدما ضعف أمام إغراء المدينة الساحرة.. بحر هائج من اللذات لا ينتهي مد موجه أو يخمد.. أفرغ بين ضفتيه حياته السابقة لا يكاد يفيق من نشوته وسكرته إلا ويعود أكثر شراهة وطلباً.

ضمن له مرتبه الكبير التكيف مع حياته الجديدة. . ولأنه فقد هويته – أراد أن يرسم لنفسه هوية جديدة ابتدعها هو . . وهيأت له الظروف خطوطها لخدمة أحلامه وطموحاته. وتبلورت شخصيته الجديدة على مقهى برنسيس حيث الخمر والرقص والنساء.

وذات مساء وكان الزحام على أشده جلس بجواره رجل أنيق ودار حديث بينهما وفهم سمير أن نديمه ينتظر صديقته التي جاءت تخطر كظبي رشيق نفر الجمود والوخم .. وصاح "هاتز مولار" ينادي على صديقته "جينفيف يارد" في ترحاب زائد .. وعرفها على سمير باسيلي الذي غاص في الذهول والمفاجأة.

كانت أنوثتها الطاغية تقتل، وصدرها العاري ترتج لمرآة الخلايا، وسيقانها المرمرية المثيرة تُطيّر العقل.

وعندما قامت للرقص معه .. حرقته نيران الجسد. . وألهبته أنفاسها وهي ترسل تنهداً تسلل الى عقله فأوقفه ودمر مقاومته.. وكانت يداها كالقيد تطوقان رقبته تماماً كالقيد الذي كبل به مصيره ومشواره المقبل. وعندما صحبها هانز وخرجا لم يستطع سمير صبراً.. فلاحقهما بسيل من الاتصالات التليفونية تعمدا ألا يردا عليها لبعض الوقت. . الى أن أوشك الشاب العاشق على الجنون. . فدعاه "هانز" الى شقته وجاءت "جين" كفتنة تتحرك فتتحرك معها الرغبات وتثور معلنة عن نفسها.

ترك هانز الشقة إثر مكالمة تليفونية وتمنى سمير لحظتئذ لو منحها كل غال لديه للفوز بقطرة واحدة من شهد أنوثتها.. ولكن عندما أفاضت عليه بكئوس من النشوة خارت إرادته. . وود لو لم يفق من سكرته الى الأبد.

وكانت خطة السقوط التي رسمتها الموساد أغرب من الغرابة. . فبينما كان عارياً في الفراش المستعر قالت له جين وهي تمرر المنشفة على وجهه:
- أنت مصري رائع، أشعرتني بأن "للحب" مذاقات لذيذة أخرى.

أجابها في ثقة:
- هذا ما تعلمته منكم.

سألته في دلال:
- ألم تكن لديك صديقة في مصر؟

قطب حاجبيه وأجاب بسرعة:
- لا . . لا . . الجنس في مصر يمارس بشكل متحرر في الخيال. . وفي السر فقط. والصداقة بين الجنسين لا تعرف الجنس ولكنها تضج بالكبت وتفوح منها أبخرة الرغبة.

في نعومة زائدة سألته وهي تفرك أذنه:
- وماذا تقول عني أيها المصري الشقي؟

قال وهو يقبلها: أفردويت ابنة زيوس وهيرا التي ولدت من زبد الماء في بحر إيجه [1]، وهي الان بأحضاني.

ردت وهي تحتضنه في تدلل:
- لا تبالغ كثيراً!!.

ضغطها بين ذراعيه متولهاً وهو يقول:
- أنت أروع فتاة عرفتها. . ولن أتركك أبداً.

تنهدت في حزن:
- للأسف يا سمير . . سأتركك مضطرة خلال أيام.
لن أعيش وحيداً

انتفض منزعجاً وهو يبعد وجهها عن صدره ليتأمله:
- جين ؟ ماذا تقولين؟ عندما عثرت عليك امتلكت الحياة وسأموت بدونك.

عانقته وهي تقبله في حنان بالغ:
- فضلت أن أصارحك الآن قبل أن أغادر ميونيخ فجأة.

تشبث بذراعيها فتألمت وقال:
- سأجيء معك حتى آخر الدنيا فلا دنيا لي سواك.
- مستحيل. .

تنهد في زفرة طويلة وأردف:
- سأثبت لك يا جين أن لا شيء مستحيل. .

وفي نعومة الحية قالت:
- أرجوك . . أنت لا تعرف شيئاً. . فلا تضغط على أعصابي أكثر من ذلك.

هزها بين أحضانه وهو يردد:
- أحبك لدرجة الجنون منذ رأيتك في البرنسيس يا أجمل برنسيس في الدنيا.

- أحبك أيها المصري الأسمر "قالتها وهي تداعب شعره في ابتسامة عريضة".

مرت فترة صمت قبل أن يضيف:
- تركت مصر وعندما رأيتك أحسست أنك وطن آخر. . نعم أنت الآن لي وطن وأهل وحياة . . ولن أتركك ترحلين فأغترب وأحترق.

تبدلت نبرتها الى نبرة حزن وهي تقول:
- أنا أيضاً أعيش معذبة بعدما مات والدي منذ سنوات. إن الوحدة تقتلني وترهقني معاناة القتامة، لذلك فأنا أموت كل ليلة من التفكير والقلق. وبي حاجة الى صديق وحبيب يؤازرني.

تساءل:
- أليس هانز صدثقاً؟

أجابت مفتعلة الصدق والألم:
- لا .. إنه رئيسي في العمل وفي ذات الوقت ملكه. إنني مثل سلعة تافهة يروجونها مجاناً.

تجهم وجهه وقطب حاجبيه وهو يسألها:
- من ؟ من هؤلاء الذين تقصدين؟

تلتصق به كالخائف الذي يلوذ بمن يحميه..
- . . . . . . . . . . . . . . . . ؟

في لهجة جادة يعاود سؤالها:
- أجيبيني من فضلك جين ..

تزداد جين التصاقاً به ويرتعش جسدها بين يديه وتهمس بصوت متهدج:
- لا أستطيع . . لا أستطيع . . مستحيل أن تثق بي بعد ذلك.

في إلحاح مشوب بالعطف:
- أرجوك جين .. أنا أحبك ولن أتركك أبداً. . من هؤلاء الذين تعملين معهم؟

ركزت نظراتها على عينيه موحية له بالأسف:
- الموساد ..

- موساد ؟ !!

ردد الاسم ويبدو أنه لم يفهم. . إذ اعتقد أنهم جماعة من جماعات الهيبز التي كانت قد بدأت تنتشر في أوروبا وتطوف بالميادين هناك والشوارع.

- نعم الموساد .. ألا تعرف الموساد؟

نظرت في عينيه بعمق تستقرئ ما طرأ على فكره .. واقتربت بشفتيها منه وأذاقته رحيق قبلة ملتهبة أنهتها فجأة وقالت له:
- إنها المخابرات الاسرائيلية.

وأكملت مص شفتيه لتستشف من حرارته رد فعله.

ولما رأت جين أن حرارة تجاوبه لم تفتر بل إن امتزاج الشفاه كان على أشده.. تعمدت ألا تحاول استقراء أفكاره، وهيأت رائعات اللذائذ، وأسبغت عليه أوصاف الفحولة والرجولة فأنسته اسمه ووطنه الذي هجره.. والذي خط بالقلم أول مواثيق خيانته.

وبعد أن هدأت ثورة التدفق قالت له بخبث:
- هل ستتركني أرحل؟ بيدك أن أظل بجانبك أو أعود الى تل أبيب. أجاب كالمنوم:
- بيدي أنا.. ؟ كيف ؟ لا أفهم شيئاً..

عانقته في ود مصطنع وبكت في براعة وهي تقول:
- لقد كلفوني بالتعرف على الشباب العربي الوافد الى ميونيخ، خاصة المصريين منهم وكتابة تقارير عما أعرفه من خلال حوارنا في السياسة والاقتصاد .. لكنني فشلت فشلاً ذريعاً بسبب اللغة. فالمصري أولاً ضعيف في الانكليزية لأنه يهتم بالدويتش، وهم أمهلوني لمدة قصيرة وعلى ذلك لا مكان لي هنا.

وكان الأمر ثانوياً بالنسبة له:
- ماذا بيدي لأقدمه لك؟

بتوسل شديد يغمسه الحنان قالت:
- تترجم لي بعض التقارير الاقتصادية من الصحف المصرية والعربية وليس هذا بأمر صعب عليك.

أفاق قليلاً وقال:
- وهل المخابرات الاسرائيلية تجهل ما بصحفنا لكي أقوم بالترجمة لها؟

أجابت في رقة:
- يا حبيبي أريد فقط أن أؤكد لهم أنني ألتقي بمصريين وأقوم بعملي معهم.. ولا يهمني إن كانوا يترجمون صحفكم أو لا يترجمونها. أريد أن أظل بجانبك هنا في ميونيخ. .

وطال الحوال بينهما وعندما خافت جين من الفشل في تجنيده.. أجهشت بالبكاء وهي تردد:
- لا حظ لي في الحب. . ويبدو أن صقيع الحياة سيظل يلازمني الى الأبد.

أخذتها نوبة بكاء هستيرية وهي تنعي حظها في الحب وافتقادها للدفء والحبيب. . فما كان منه إلا أنه جذبها الى صدره بقوة وهو يقول:
- مهما كنت . . لن أتركك ترحلين.

وأمام رغبته الجامحة وخدعة المشاعر. . أسلم مصيره لها تفعل به ما تشاء. . فجاءته بأوراق وكتب بخطه سيرة حياته. . ومعلومات عن معارفه وأقاربه ووظائفهم وعناوينهم في مصر. وطلبت منه بتدلل أن يمدها بأخبار مصر من خلال المصريين الوافدين الى ميونيخ. فلم يعترض بل كان شرطه الوحيد أن تظل بجانبه.

هكذا سقط سمير في براثن الموساد. وبعد أن غرق لأذنيه في مهامه التجسسية واستسهل المال الحرام. . تركته جين لتبحث عن غيره. . وانشغل هو باصطياد المصريين والتقاط الأخبار. . وقبع في مطار ميونيخ ينتظر الطائرات القادمة من مصر عارضاً خدماته على الوافدين للمرة الأولى.. الذين يسعدون بوجود مصري مثلهم يرافقهم الى حيث جاءوا . . ويقوم بتسهيل أعمالهم في المدينة.

أشهر قليلة . . واستطاع أن يقيم شبكة واسعة من العلاقات. . خاصة مع بعض موظفي مصر للطيران وبعض المضيفين والمضيفات. . ويعود الى مسكنه في المساء ليكتب تقريره اليومي المفصل . . الذي يتسلمه منه مندوب من الموساد كل صباح. . ويقبض آلاف الماركات مكافأة له.
الطماع والمغامر

وبعد أن استقرت أموره المالية كثيراً عرف أبوه طريقه.. فزاره في ميونيخ عدة مرات زاعماً أن المشاكل الاقتصادية في مصر تضخمت. . وأنه يطلب مساعدته في الإنفاق على أسرته.

كان سمير يتلذذ كثيراً بتوسلات والده. بل يرسل في طلبه خصيصاً ليستمع الى كلمات الرجاء تتردد على لسانه. . وليرى نظرات التودد تملأ وجهه. وتضخم الإحساس بالشماتة عند الابن تجاه أبيه حتى وصل الى درجة الانتقام.. وكان الانتقام بشعاً ويفوق كثيراً حجم الترسبات التي قبعت برأس الابن تجاه أبيه.

لقد دبر سمير كميناً محكماً لأبيه أوقعه في شراكه عندما صحبه الى مكتب هانز مولار ضابط المخابرات الإسرائيلية في ميونيخ. . والذي يبدو في ظاهره مكتباً للمقاولات.

ولأن وليم فريد باسيلي يعشق النقود .. أوضح له هانز أنه سبب الرفاهية التي يعيش فيها ابنه سمير. وأنه على استعداد أيضاً لبدء علاقة عمل بينهما وتأسيس شركة تجارية كبرى في القاهرة تدر عليهما ربحاً وفيراً. .

عندها . تخيل وليم شركته الجديدة والأموال التي ستغدق عليه. . تخيل أيضاً مقعده الوثير ومكتبه الفخم وسكرتيرته الجميلة وسيارته الحديثة.. وسافر بخياله يجوب شوارع القاهرة يختار موقع المكتب. فأيقظه هانز قائلاً إنه بحاجة الى معلومات اقتصادية عن السوق المصرية. . يستطيع من خلالها أن يحدد خطوطاً عريضة لنشاط الشركة. ولبى وليم الدعوة وجلس عدة ساعات يكتب تقريراً مفصلاً عن احتياجات السوق، وأحوال الاقتصاد في مصر.

دهش هانز لدقة المعلومات التي سردها وليم ومنحه فوراً 1000 مارك، ووعده بمبلغ أكبر مقابل كل تقرير يرسله من القاهرة.

نشط الجاسوس الجديد في كتابة التقارير وإرسالها الى ألمانيا وفي الزيارة التالية لميونيخ فوجئ وليم بثورة هانز بسبب سطحية تقاريره المرسلة اليه. وقال له إن المكتب الرئيسي على استعداد لدفع خمسة آلاف مارك للتقارير المهمة وأنه على استعداد لتدريبه على كيفية جمع المعلومات وكتابتها بعد تصنيفها. وعندما سأله وليم عن المكتب الرئيسي أجابه بأنه في تل أبيب، وهو مكتب مختص بالشؤون الاقتصادية في دول العالم الثالث.

ارتبك وليم فناوله هانز خمسة آلاف مارك في مظروف مغلق قائلاً إنه هدية من إسرائيل من أجل التعاون المخلص. أما التقارير فلها مقابل أيضاً. . وتسلم وليم خمسة آلاف أخرى فانكمش في مقعهده بعدما أدرك حقيقة موقفه ووضعه.

طمأنه هانز بأن علاقتهما لن تكشفها المخابرات المصرية، لأن هذه التقارير ليست مادة سرية فهي موجودة في الصحف القاهرية. وشيئاً فشيئاً. . تطورت العلاقة بين هانز ووليم الى علاقة بين ضابط مخابرات وجاسوس خائن، تحددت بدورات تدريبية خاضها الأب على يد ضباط فنيين، وانتفخت جيوبه بآلاف من الماركات بعدما كثرت تقاريره التي كان يجيد كتابتها بعد تحليلها. . وتعمده مصادقة ضباط القوات المسلحة والعسكريين المسرحين من المحيطين به.

(1) وفي كل زيارة لميونيخ كان هانز يحذره من قراءة قضايا التجسس في الصحف المصرية حتى لا يرتبك ويقع في قبضة المخابرات المصرية التي لا ترحم الخونة. وطمأنه على أسلوب عملهم الذي لا تستطيع المخابرات العربية كشفه. وحتى وإن حدث. . فهم سيتولون رعاية أبنائه والإنفاق عليهم من بعده "وقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن إسرائيل تتنصل من الخونة بعد سقوطهم وأنها تأخذ فقط وتمنح قبل السقوط" [2]

أما الابن سمير . . فقد اتسعت دائرة نشاطه في التعرف على المصريين الوافدين وتصيد الأخبار منهم من خلال الدردشة العادية.. وهؤلاء الذين فشلوا في الحصول على عمل. . وشرع بالفعل في تجنيد ثلاثة من المصريين. استطاعوا الرجوع الى مصر وأخبروا جهاز المخابرات المصرية بتصرفات سمير .. ودوره في محاولات الإيقاع بهم لصالح المخابرات الإسرائيلية.. بواسطة فتيات جميلات يجدن استعمال لغة الجسد.

لقد جاءت البلاغات الثلاثة في فترة قصيرة ومن أشخاص لا يعرفون بعضهم، وكانت خطة المخابرات المصرية لاصطياد سمير وابيه محسوبة بدقة بالغة . . وإحكام.
الحكم العادل

كان وليم قد افتتح مكتباً كبيراً للمقاولات في القاهرة استطاع من خلاله أن يمارس عمله في التجسس . . وجعل منه مقراً للقاءاته بالأشخاص الذين يستمد منهم معلوماته.. خاصة من العسكريين الذين أنهوا خدمتهم . حيث إنهم في الغالب يتفاخرون دائماً بدورهم وبعملهم السابق بصراحة مطلقة. . أمام الأشخاص الذين يبدون انبهاراً بما يقولونه ويسردونه من أسرار عسكرية وتفاصيل دقيقة.

وفي أحد الأيام . . فوجئ وليم برجل ثري عائد من الخليج.. يريد الاستفسار عن إمكانية فتح مشاريع استثمارية وعمرانية كبيرة.

كان الرجل قد أمضى في الخليج سنوات طويلة ويجهل حاجة السوق المصرية للمشروعات. . وتباهى وليم في سرد خبراته مستعيناً بإحصائيات تؤكد صدق حديثه.. واستطاع إقناع المصري الثري بقدرته على اكتشاف حاجات السوق وإدارة المشاريع. وبدا أن الرجل قد استشعر ذلك بالفعل إلا أن حجم ثروته ورغبته في عمل مشاريع عملاقة. . استدعى من وليم الاستعانة بخبرة سمير فكتب له يطلب مجيئه وألح عليه في ذلك. . وجاءه الرد من ابنه يخبره بميعاد قدومه.

وما هي إلا أيام حتى جاء الابن الى القاهرة.. بصحبته شاب ألماني وصديقته أرادا التعرف على الآثار الفرعونية . . فصحبهما سمير الى الأقصر حيث نزلوا بفندق سافوي الشهير على النيل .. ثم مكثوا يومين في أسوان وعادوا الى القاهرة.

كان سمير طوال رحلته مع صديقيه يقوم باستعمال كاميرا حديثة ذات عدسة زووم في تصوير المصانع والمنشآت العسكرية طوال رحلة الذهاب والعودة. . وفي محطة باب الحديد حيث الزحام وامتزاج البشر من جميع الجنسيات . . وقف سمير امام كشك الصحف واشترى عدة جرائد. وبعدما هموا بالانصراف. . استوقفه شاب انيق يرتدي نظارة سوداء برفقته أربعة آخرين وطلب منه أن يسير بجانبه في هدوء.

ارتسمت على وجه سمير علامات الرعب .. وحاول أن يغلفها ببعض علامات الدهشة والاستفهام لكنه كان بالفعل يرتجف.

اعتذر الرجل الأنيق للضيف الألماني وصديقته. . وودعهما سمير بلطف ومشى باتجاه البوابة الى ميدان رمسيس يجر ساقيه جراً محاولاً أن يتماسك. . لكن هيهات فالموقف صعب وعسير.

وعندما دلف الى داخل السيارة سأله الرجل الأنيق ذو النظارة:
- أتريد أن تعرف الى أين تذهب؟

أجاب بصوت مخنوق:
- أعرف !!

وعندما فكر في مصيره المحتوم . . أجهش بالبكاء. . ثم أغمى عليه بعدما تملكه الرعب وأصابه الهلع. . وحملوه منهاراً الى مبنى المخابرات العامة ليجد والده هناك. . نظراته أكثر هلعاً وصراخه لا يتوقف وهو يردد:
- سمير هو السبب !!

واكتشف وليم أن الثري القادم من الخليج ما هو الا ضابط مخابرات . . واكتشف أيضاً أن تقاريره التي كان يرسلها الى الخارج تملأ ملفاً كبيراً.

ولم يستغرق الأمر كثيراً. فالأدلة دامغة والاعتراف صريح. وكان الحكم في مايو 1971 عادلاً لكليهما. الإعدام للإبن و15 عاماً أشغال شاقة للأب. . وعار أبدي للأسرة حتى الجيل المائة .. وكانت النهاية الطبيعية لكل خائن باع النفس والوطن.

_____



_____




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://zohor-mostaqble.ahlamontada.net/index.htm
Mostafa
مراقبـ
مراقبـ


ذكر
عدد المساهمات: 2607
العمر: 18
العمل/الترفيه: لعب كرة القدم
فصل: 1/5 ث وبلا فخر
المزاج: راااااااااااااااايق!!
مزاجي اليوم:
المهنة:
الهواية:
أوسمة العضو:
نقاط: 12748
السٌّمعَة: 33
تاريخ التسجيل: 18/01/2010

مُساهمةموضوع: بهجت حمدان   الجمعة يونيو 11, 2010 9:15 pm

بهجت حمدان

بعد نكسة يونيو 1967 .. وبينما الطائرات الاسرائيلية كانت تمرح آمنة كيفما تشاء في سماء مصر . . كان بهجت حمدان ينقل الى العدو أولاً بأول خرائط وصور القواعد العسكرية المصرية . . ويشعر بنشوة غامرة لنجاحه في "العمل". . ولثقة الموساد في معلوماته.

وأمام تدفق الأموال عليه. . كوّن شبكة جاسوسية خطيرة في القاهرة . . لكي يزداد ثراءاً ورونقاً .. وتوحشاً.

ولحظة سقوطه في قبضة المخابرات المصرية.. صرخ غير مصدق: مستحيل . . مستحيل . . كيف توصلتم إليّ.. ؟

لقد دربوني جيداً في أوروبا. . بحيث لا أسقط أبداً. . !!!
لغة الجسد

أصيبت المخابرات الإسرائيلية بصدمة قاسية عندما انكشف جاسوسها المدرب بهجت حمدان . .وزلزل النبأ كبار ضباطها الذين أعمتهم الثقة وغلفهم الغرور . . ذلك لأن الجاسوس مدرب جيداً في أوروبا بواسطة أمهر الخبراء. . وحصل على دورات تؤهله لكل المهام التجسسية الصعبة. . دون أن يثير شكوك المخابرات المصرية، وظل العميل المدرب "نائما" لسنوات في أوروبا انتظاراً للحظة الانطلاق. .

لقد أجاد فنون التجسس دراسة. عكس غالبية الخونة الذين يُدفع بهم عقب تجنيدهم مباشرة لممارسة العمل ضد بلادهم . . وكان تجنيده قد تم بواسطة نقطة ضعفه – المال – الذي ظل يلهث وراءه .. الى أن وقع.

ولد بهجت يوسف حمدان بالاسماعيلية في 24 ديسمبر 1932 لأب ثري يعمل في التجارة اجتهد في عمله لتأمين حياة كريمة لأسرته. مضحياً بكل ما لديه في سبيل تعليم أولاده وتبوئهم مناصب مرموقة في المجتمع.

وأمضى بهجت طفولته على شاطئ القناة في المدينة الجميلة الساحرة. . ولما حصل على الشهادة الاعدادية كان والده قد قرر الانتقال نهائياً الى القاهرة بعدما توسعت تجارته واشتهر اسمه . . فالتحق بهجت بمدرسة الخديوي إسماعيل الثانوية . . وتبلورت شخصيته بها وظهر حبه وولعه بالرسم والفنون . . للدرجة التي جعلته يهرب كثيراً من المدرسة ليزور المتاحف والمعارض الفنية. . وكان ينفق مصروفه على شراء الألوان وأدوات الرسم، الأمر الذي استدعى تدخل والده لصرفه عن هوايته التي رآها الأب مضيعة للوقت على حساب مستقبله.

وفي عام 1950 نال بهجت حمدان شهادة الثانوية العامة بصعوبة. . واتجهت نيته الى الالتحاق بأحد المعاهد الفنية لتنمية موهبته. . لكن الأب عارض بشدة مصراً على تعليمه كأبناء الباشوات. . وأرسل به الى ألمانيا الغربية لدراسة الهندسة المعمارية في جامعاتها.

وأمام رغبة الأب وإصراره.. حزم الشاب حقائبه وطار الى ميونيخ وفي نفسه غصة لضياع حلمه في أن يكون رساماً.

وفي ميونيخ تصدع عقل الفتى الأغر .. فقد وجد نفسه فجأة بداخل مجتمع غريب عن طبيعته كشرقي. . مجتمع يفيض تحرراً وانفتاحاً يستطيع الامتزاج به بسهولة .. لذلك انطوى على نفسه في بادئ الأمر. . وفشلت الأسرة الألمانية التي يقيم معها في إخراجه من عزلته.. فطلبت من إدارة الجامعة استبداله بآخر. . وانتقل بهجت بعدها الى سكن بيوت الطلاب. . لدراسة اللغة مبتعداً عن المغريات التي تستهوي الشباب. . وكرس كل جهده ووقته لذلك حتى وقعت له حادثة بدلت طريقه وطباعه.

فقد دعاه زملاؤه الطلاب لقضاء سهرة الكريسماس بأحد المراقص. . وفي النادي الليلي حيث الخمر والرقص والفتيات الحسناوات والغزل .. تعرف بشاب مغربي قدمه الى إحدى صديقاته. . وعلى "البيست" أخذ يراقصها. . فتناثرت عنه انطوائيته وضاع خجله.. وانقلب من وقتها الى شاب جديد مليء بالثقة في نفسه.. يملك القدرة على إدارة الحوار بشتى أشكاله.

بعدها . تعددت السهرات مع الفتاة الألمانية .. التي أخذت تحيطه بالاهتمام فأحبها. . ولم يعد بمستطاعه الافتراق عنها يوماً واحداً. . ومن المصروف الذي كان يرسله أبوه . .أخذ ينفق عليها في المطاعم والبارات والمنتزهات .. مضحياً بأوقات الدراسة والاستذكار. . وكانت النتيجة الطبيعية رسوبه في أولى سنواته الجامعية. . ونجاحه يتفوق في تعلم لغة الجسد وتشريح مفاتنه.
الأبواب الموصدة

انشغل بهجت حمدان بحياته الأوروبية المتحررة. . واكتشف في نفسه لحولة تغري الفتيات وتسحر النساء. . فلم يعد يقنع بواحدة منهن. . الى أن ساءت سمعته بين الأوساط الطلابية العربية..

ولما علم أبوه بنبأ رسوبه أصيب بخيبة أمل. . وبرر له الابن أسباب فشله التي أرجعها الى صعوبة اللغة الألمانية واختلاف الطقس وظروف الحياة.. فسكت الأب على مضض. . وحذره من تكرار الرسوب مهدداً بأنه سيضطر الى قطع المصروف عنه.

لكن الشاب العابث لم يبد رغبة بينه وبين نفسه في تغيير مساره الشائن. . إذ استمر على حاله في المجون. . حتى جاءت الامتحانات. . ورسب للمرة الثانية.. وأخذت الجامعة بتقارير أساتذته التي تصفه بأنه سلبي لا يبذل جهداً يذكر في تحصيل العلوم فتم فصله. . وأرسلت الجامعة بصورة من قرارها الى والده بالقاهرة فصدم .. وكتب في الحال الى ابنه يطلب منه الرجوع ليعاونه في أعماله التجارية. .

فهل انصاع الابن.. ؟ وهل قبل وداع حياة التحرر هكذا بسهولة .. ؟

بالطبع كان الأمر شديد الوقع على نفسه، فهو لم يعد يتخيل كيف يرضى بالعيش في مجتمع القاهرة المغلق بعد ذلك. .

كان مجرد التفكير في ذلك يؤرقه. . ويدفعه لأن يقاوم رغبة والده في العودة .. فقد ألف الحياة الأوروبية بكل صنوفها وأشكالها.. وفي حرمانه منها الظلم والموت البطيء.

ومنذ تلك اللحظة . . اتخذ قراره بألا يعود الى مصر ومقاومة تهديدات والده بإثبات ذاته من خلال الإنفاق على نفسه. . وساعدته ظروف علاقاته المتشعبة في العمل بإحدى الشركات التجارية. . وهيأ له راتبه حياة مجون لا تقل عما كانت عليه من قبل .. فداوم على البحث عن ملذاته . . وأصبح زبوناً دائماً ومألوفاً بشوارع شتافوس وشتراسة وشوانبخ حيث المومسات متراصات في الفتارين وعلى النواصي يساومن المارة.

وما إن هل عام 1955 حتى طرأ حادث جديد على حياته.. إذ تعرف بالحسناء "إنجريد شوالم" الألمانية الرقيقة وأحبها.. وبادلته الفتاة الحب بإخلاص وسعت لانتشاله من الفشل الذي يوجهه . . والحياة الرخيصة التي انغمس فيها.. وبعدما تزوجها حرصت إنجريد على تحفيزه لدراسة الهندسة إرضاء لأسرته في مصر. .

هكذا وقفت زوجته الى جواره لا هم لها سوى الارتقاء به لأجل حياة أفضل. . فقد مرت سنوات قليلة على انتهاء الحرب العالمية الثانية . . التي خرجت منها ألمانيا مهزومة محطمة . . مقسمة .. وكانت بحاجة الى كوادر علمية وفنية لإعمارها من جديد.. والدخول بها الى دائرة التنافس الاقتصادي والصناعي.

لكن فتانا كان قد توصل الى هدف جند كل حواسه لتحقيقه. . وهو الإثراء بشتى الطرق ليكون من رجال المال والأعمال المشهورين. . ولأنه بلا خبرة . . ولا تدعمه شهادات علمية .. فشل فشلاً ذريعاً في ان يكون إنساناً ناجحاً ومرموقاً.

وفي عام 1958 حصل بطرق ملتوية على شهادة في الهندسة الانشائية .. قام بتوثيقها في السفارة المصرية وعاد بها الى القاهرة ومعه زوجته. . فأثلج صدر أبيه وغمره بالفرحة ..

أحبت إنجريد الأسرة الجديدة وعشقت جو القاهرة .. وسرعان ما تأقلمت مع العادات الاجتماعية وأصبحت جزءاً من نسيج الأسرة..

وأمام ضغوط أبويه وإلحاحهما المستميت. . وافق بهجت على البقاء للعمل والعيش في القاهرة. . وبمساعدة الأب التحق بوزارة الاسكان. . وعمل في مشروع "الخمس سنوات" الذي جندت له الحكومة وقتذاك إمكاناتها الهائلة لإنجاحه.

كانت ظروف العمل الجديد تتيح لبهجت أن يغش ضميره. . ويفتح يديه لتلقي المال الحرام. . فعاودته من جديد أحلام الثراء التي تكسرت في ألمانيا. . وأراد تحقيقها في بلده.. ذلك لأن راتبه الضئيل لا يمكنه من ارتياد المراقص. . والظهور أمام زوجته بمظهر أعلى يقوف موارده..

لهذا عرف طريق الرشاوي مستغلاً مركزه الوظيفي. . وتقرب كثيراً من أصحاب الشركات الأجنبية بالقاهرة. . وأطلعهم على أسرار المناقصات والعطاءات التجارية فأغدقوا عليه بالأموال .. حتى فاحت رائحته بين الموظفين، واشتم فيه المسؤولون فساد الذمة ففصل من العمل .. وأغلقت في وجهه أبواب الحياة في مصر. . فغادرها الى لبنان يائساً ومعه انجريد الحزينة..

وفي لبنان أدركه الفشل في الحصول على عمل مناسب. . فاقترحت عليه زوجته أن يعودا الى ألمانيا حيث فرص العمل متوفرة هناك. لكنه رفض بشدة .. فهي لا تدري شيئاً عن شهاداته الدراسية المزورة التي لا يستطيع إبرازها في ألمانيا.

ومع احتدام الخلاف بينهما. . حملت أنجريد حقيبتها غاضبة حانقة وسافرت الى ميونيخ وحدها. . بينما طار هو الى باريس يمني نفسه بالمال الوفير. . والباريسيات الفاتنات ذوات القدود المائسة والأنوثة والدلال.
جاسوس للبيع

كانت باريس في ذلك الوقت من صيف 1960 تضج بالحياة والحركة والجمال. . حيث يرتادها مشاهير العالم بحثاً عن الجديد في عالم الأزياء. . أو لالتماس الهدوء بين ربوعها. . وتنتشر بشوارعها شتى الوجوه والألوان والغرائب. . فهي عاصمة النور في أوروبا. . ومأوى الفن . . وملاذ الصعاليك. . وهواة تصيد الفرص على مقاهيها. . وايضاً. . وكر آمن لصائدي الجواسيس والخونة لكل أجهزة المخابرات.

نزل بهجت حمدان بفندق "ستار" بوسط المدينة .. وهو فندق بسيط يرتاده شباب المغتربين – وغالبيتهم أفارقة وآسيويون – لرخص سعره ولقربه من قلب العاصمة حيث المطاعم الرخيصة والمقاهي . . وسهولة المواصلات.

ومنذ وطئ بهجت فرنسا ضايقته مشكلة اللغة. . فهو يتكلم الألمانية بطلاقة وبعض الانجليزية. . أما الفرنسية فكان يجهل مفرداتها البسيطة التي لا تمكنه من التحرك بثقة وسط أناس يرفضون التعامل بغير لغتهم.

وفي اليوم التالي فوجئ بموظف الاستقبال يرحب به باهتمام. . وتحدث معه بالعربية السليمة. . واصفاً له السنوات التي قضاها في بورسعيد موظفاً بإحدى شركات الملاحة حتى غادرها إبان أزمة 1956.

كان الفرنسي اليهودي يعمل مخبراً لرجال الموساد في باريس. . تنحصر مهمته في التعرف على العرب النازحين الباحثين عن عمل. . أو أولئك الذين قدموا للسياحة أو الدراسة . . ويتولى بعد ذلك تقديمهم – كل حسب حالته – الى رجال الموساد . . فلما اطلع على ظروف بهجت أدرك بأنه صيد سهل . . فهو يمر بأزمة مالية ويواجه مشاكل مع زوجته الألمانية بسببها. . فضلاً عن وظيفته السابقة في مصر التي قربته من الكثيرين من رجالاتها في مختلف المواقع.

لذلك . . رتب له دعوة للعشاء بأحد المطاعم الراقية. . وهنا قدمه الى صديقه "جورج سيمون" ضابط الموساد الذي ظهر بشخصية رجل الأعمال. .

استشعر بهجت الأمان بعض الشيء. . واطمأن باله وهو يتجاذب بالألمانية أطراف الحديث مع جورج سيمون. . وطال الحديث بينهما في مجالات كثيرة تخص أحوال مصر اقتصادياً وتجارياً. . حتى تطرقا الى مشروع "الخمس سنوات" وفوجئ سيمون بمحدثه يخبره بأنه يمتلك ملفات كاملة عن المشروع يحتفظ بها في القاهرة. . وكذا تقارير اقتصادية خطيرة تدرسها الحكومة المصرية خاصة بوزارة الاسكان.

وبعد عدة لقاءات وسهرات في النوادي الليلية – بأموال الموساد بالطبع – قام جورج سيمون أثناءها بعملية "تشريح" متكاملة لفريسته. . من حيث ميوله ورغباته ونقاط ضعفه. . فتبين له أن الشاب المصري المفلس "يعبد القرش" .. ولديه أسباب قوية لأن يطرق كل السبل من أج الحصول على المال.

لذلك لم يكن من الصعب استقطابه .. وإحاطته بشعاعات من أمل في العمل والثراء. . وجاء الرد حاسماً من تل أبيب:

"مطلوب تجنيده وبأي ثمن".

وكان الثمن زهيداً جداً عندما سلمه عميل الموساد ألفاً وخمسمائة فرنك فرنسي .. على وعد بإيجاد عمل محترم له إذا ما كتب تقريراً وافياً عن مشروع "الخمس سنوات". . والخطوات التي تمت بشأنه. . والمعوقات التي تواجه مصر في تنفيذ سياساتها الاقتصادية. . وكانت هذه الخطة أولى محاولات تجنيد بهجت حمدان.

إن عملية تجنيد جاسوس جديد تعد من أكثر النشاطات المخابراتية صعوبة وخطورة. . ومنذ اللحظة الأولى في هذه العملية يجد صائد الجواسيس نفسه في موقف صعب. . فالشخص الذي اختاره لتجنيده ربما يفطن الى الحيلة . . وبذلك فقد كشف عن شخصيته له قبلما يتأكد من استجابته.

لذلك. . فالمهارة هنا لها الدور الأساسي في عملية تجنيد الجواسيس الجدد.. بمعنى أن العميل يجب أن يكون واثقاً من تقديره للموقف. . وأن يكون حذراً للغاية حتى يتمكن من التقهقر في الوقت المناسب إذا ما حالفه الفشل..

ولكي يضمن جورج سيمون إحكام حلقته حول بهجت حمدان . . رتب له لقاءً حاراً في "مصيدة العسل" مع سكرتيرته المتفجرة الأنوثة. . وهذا الأسلوب تميزت به الموساد عن سائر أجهزة المخابرات للسيطرة على المطلوب تجنيدهم .. وتفننت في استخدامه بتوسع . .حيث يتم تصوير هؤلاء في أوضاع شاذة .. وتسجيل حوارات سياسية تدينهم . . فتنهار أعصابهم حين مواجهتهم ولا يستطيعون الخلاص أو الفكاك.

وما إن ووجه بهجت بالأفلام العارية التي تحوي مشاهد مؤسفة .. وأحاديث مليئة بالسباب للعرب وقادتهم. . حتى بهت الصياد وتفصد عرقاً . . نعم .. بهت لأنه فوجئ بما لم يتوقعه أن يحدث له من قبل.

لقد صرخ بهجت حمدان في وجهه .
الصفقة الناجحة

كان اللعب قد أصبح مكشوفاً بين الصياد والفريسة. . وكانت الخطة تقتضي اولاً أن يسافر بهجت الى فرانكفورت حيث الانطلاقة من هناك . . بعد ذلك يتم عمل "ساتر" يختفي وراءه.

وفي فرانكفورت استقر الجاسوس الجديد بأحد فنادقها. . وأرسل الى زوجته إنجريد فأسرعت اليه سعيدة بقدومه. . وأنبأها بأنه التقى في باريس برجل أعمال كبير وعده بإيجاد عمل له في بورصة الأوراق المالية. . ومكثا معاً عدة أيام في نزهات خلوية صافية . . الى أن زاره "صموئيل بوتا" الخبير في أعمال البورصة والتجارة الدولية.

بدأ بوتا في تعليم بهجت كل ما يتصل بأعمال البورصة ودراسة السوق المصرفية، وعرفّه بالعديد من رجال الأعمال وهيأ له المناخ الملائم لكي يستوعب هذا النوع من العمل الذي يتطلب قدراً عالياً من الذكاء والمهارة . . وناضل ضابط المخابرات الاسرائيلية من أجل خلق رجل أعمال مصري ناجح .. للدفع به في الوقت المناسب الى مصر . . فيتعرف على علية القوم ورجال الأعمال بها. . مما يتيح له التغلغل بين الأوساط الراقية وذوي المناصب الحساسة.

إن المخابرات الاسرائيلية لا تصرف الآلاف من نقودها هباءً. . بل تدرك بحق أن المنافع التي ستعود عليها بعد ذلك ستكون رائعة.

واستمراراً لخطة صنع جاسوس محترف . . انتقل بهجت الى مدينة "بريمن" حيث قدمه بوتا للعديد من أصحاب شركات البترول والتجارة. . وعمل لديهم لبعض الوقت فاكتسب خبرات هائلة. . وصداقات متشعبة بصفته مواطن الماني متزوج من ألمانية.

وفي عام 1967، تأكد للإسرائيليين أن "الجاسوس النائم" بهجت حمدان أصبح ذا دراسة وعلم كبيرين بأمور التجارة الدولية. . وأعمال البورصة.. تعضده جنسيته الألمانية في اقتحام مجالات التجارة والتصدير في أسواق الشرق الأوسط دون أية شكوك أو صعوبات تعترض طريقه.

وابتدأ عمله التجسسي بأن أرسل لشركة "مصر للبترول" يعرض عليها استيراد شحنات من البترول المصري بصفته مندوباً لإحدى الشركات الألمانية. . وسافر الى القاهرة ليدرس العرض مع الشركة ..

كانت نكسة يونيو قد تركت آثارها على شتى النشاطات في مصر .. وحطمت المناخ العام شعبياً وعسكرياً وسياسياً . . وفي القاهرة أخبره والده بأنه مني بخسارة فادحة في تجارته . . فأغدق بهجت على أسرته بالهدايا الثمينة في كل مرة يجيء فيها الى القاهرة للتفاوض مع الشركة.

وبرغم فشله في عقد صفقة واحدة مع مصر للبترول بسبب طمعه في نسبة عمولة عالية .. اتجه – بتوجيه من بوتا – الى تجارة السلاح . . فدرس هذا المجال باستفاضة . .وأخذ يبحث كيفية تقديم عروض للدول العربية لبيعها صفقات أسلحة . . خاصة .. وظروف المنطقة المشتعلة بالصراع تتطلب ذلك.

أعجبته الفكرة تماماً. . وابتدأ بالأردن، لكنه فشل في أولى محاولاته لأن الأردن لا يبتاع السلاح عن طريق وسطاء. فعاد الى القاهرة يحدوه الأمل في النجاح هذه المرة. . وتقدم الى المسؤولين بعدة عروض لتوريد بعض المهمات والمعدات اللازمة لقطاعات هامة في الدولة. . وفوجئ بموافقة مبدئية على أحد العروض. . ولكن طلب منه تأكيد جدية العرض باستيفاء بقية الأوراق. . ومنها سابقة الأعمال.

كان بوتا – وهو الضابط الخبير – قد احترز جيداً في عمل "الساتر" للجاسوس المتحمس. . وقام بتكوين شركة مساهمة تحمل اسم "نورد باو" للأعمال الإنشائية والتوريدات . . مديرها بهجت حمدان ورئيس مجلس إدارتها "ألبرت فيزر" ضابط المخابرات الاسرائيلي الذي يحمل جواز سفر ألماني. . وكان هذا الساتر مأمن لبهجت ونقطة ارتكاز لتثبيت أقدامه. . بعيداً عن شكوك رجال المخابرات المصرية الذين يتشككون في كل شيء. .

وبناء عليه . . سافر بهجت حمدان الى ألمانيا لإطلاع بوتا على سير الأمور. . وكان على ثقة من نجاح الصفقة التي سيربح من ورائها عشرات الآلاف. . فهنأه بوتا على الصفقة الجديدة وأمده بسابقة أعمال وتوريدات مزورة حملها الى الحكومة المصرية. . واصطحب معه ألبرت فيزر لمناقشة الأسعار المقدمة.

وفي القاهرة طلب المسؤولون منهما عينات ومبلغ 20 ألف دولار كتأمين . . وتمت الصفقة في نجاح أذهل الاسرائيليين. . ذلك لأن عمليهم المدرب نال ثقة المسؤولين المصريين على اعتبار أنه مصري يسعى لخدمة وطنه.
بائع الوطن

لم تضيع الموساد وقتاً. . فظروف عميلها بهجت حمدان في القاهرة تتيح له العمل بأمان ونشاط . . وكان عليها استثماره جيداً ليس بإمدادها بمعلومات فقط. . بل بتكوين شبكة واسعة من أتباعه الذي يلمس ظروفهم عن قرب وينتقيهم بنفسه.

نظر بهجت حواليه وبدأ ينصب شباكه حول أولى ضحاياه. . وهو المهندس محمد متولي مندور زوج شقيقته. . الذي يعمل بشركة المقاولون العرب بمنطقة القناة، ونظراً لظروفه المادية السيئة فقد كان من السهل اصطياده بدعوى توفير فرصة عمل له في الخارج بواسطة شريكه "فيزر" في حال نجاح مشروعاتهما المرتقبة في مصر.

لأجل ذلك. . تفانى مندور في خدمة الخائن وشريكه. . ولكي يضمن كسب ودهما أكثر وأكثر استجاب لرغبتهما وأطلعهما على أسرار بعض العمليات الإنشائية السرية التي تتم على الجبهة بواسطة شركة المقاولون العرب.

طمعت الموساد في الحصول على رسومات هندسية لتصميمات الدشم والقواعد والمطارات العسكرية التي تقوم بها الشركة. ولتنفيذ ذلك – تعمد بهجت الابتعاد قليلاً عن مندور ومماطلته في أمر تشغيله في الخارج. . وأخيراً، صارحه بأن شريكه يريد الاطمئنان على مدى كفاءته وخبرته. وطلب منه بعض الرسومات الهندسية العسكرية للإطلاع عليها لتأكيد مدى تميزه وخبرته في العمل والوقوف على مستواه العملي. . فلم يعترض مندور وسلمه بالفعل الكثير من هذه الرسومات التي تعتبر سراً عسكرياً هاماً لا يجب البوح به. . بل تمادى في شرح الأعمال الإنشائية التي يقومون بها على خط القنال وبمناطق أخرى بالصعيد والوجه البحري. وكان بهجت يسأله بخبرة الجاسوس الخبير ويسجل أقوال صهره أولاً بأول وينقلها الى "فيزر" الذي لا يكف عن طلب المزيد والمزيد من المعلومات والرسومات.

وفي يوم الجمعة 22 مايو 1969 عاد بهجت من ألمانيا يحمل قائمة طويلة من أسئلة الموساد ومطلوب إجاباتها من خلال المهندس مندور.

من أجل ذلك. . أخبره بهجت بأنه في سبيل الحصول على موافقة نهائية من الشركة للعمل بها براتب قدره مائتي جنيه مع ان راتبه حينذاك كان لا يتعدى "25" جنيهاً شهرياً.

. وبالتالي أراد مندور ألا يضيع هذه الفرصة التي ستبدل حالته المتعثرة الى نعيم وازدهار. . فتمادى في إمداده بعشرات اللوحات الهندسية والتصميمات العسكرية السرية جداً، ومعلومات غاية في الدقة سجلها الجاسوس واحتفظ بها لدى شقيقته الأخرى. ليسافر بها الى ألمانيا.

ولكي يوسع من شبكة الجاسوسية بدأ بهجت يحوم حول جمعة خليفة المحامي صديق العائلة. وبإغراءات تعيينه مستشاراً قانونياً للشركة في مصر وتسفير ابنه لإكمال تعليمه في المانيا – دخل أخيراً وكر الجواسيس. وسافر الى بون لرؤية ابنه الذي يدرس الهندسة بالفعل. وجلس مع فيزر لعدة جلسات يتناقشان في العقبات القانونية التي تقف أمام الشركة في مصر. واكتشف ضابط الموساد أن جمعة تربطه علاقات قوية برجال يشغلون مناصب رفيعة. فكلفه بالبحث عن بعض العسكريين "الكبار" الذين يتركون القوات المسلحة لاستخدامهم كمستشارين فنيين.

كان الغرض من ذلك تكوين شبكة تجسس قوية من خلال هؤلاء العسكريين. . واستدراجهم في الحديث للإفصاح عن الأسرار العسكرية دون أن يعلموا أن كل كلمة ينطقون بها تصل رأساً الى الموساد.

هؤلاء القادة العسكريون كانوا حلم الأحلام بالنسبة لبهجت. إنهم سيمنحونه شلالاً متدفقاً من المعلومات الغزيرة التي لا تنتهي . حيث سيمنحهم رواتب ضئيلة قياساً بآلاف الجنيهات التي ستملأ جيوبه.

في هذه الأثناء كانت إنجريد زوجته الألمانية تعيش حياة رغدة في ألمانيا. . وتسكن شقة فاخرة في شارع راينهارت وتقود بنفسها سيارتها ماركة فورد، وتزخر شقتها بأروع التحف وأجمل السهرات مع صويحباتها. . يملؤها الفخر بزوجها رجل الأعمال الناجح الذي أغدق عليها حباً ومالاً وهدايا ثمينة من كل بقاع الأرض.

زادت الأموال بين يدي بهجت حمدان فازداد إنفاقه وازداد طمعه. . وسيطرت عليه شهوة المال الحرام فسعى إليه يطالبه ببيع أمنه وطنه وأرض وطنه وأهل وطنه. . دون أن تتحرك لديه نبضة من ندم أو خلجة من شعور.
بهجت حمدان اصطاد قائده

كانت إسرائيل في تلك المرحلة وبعد انتصارها في يونيو 1967 تبث دعايتها على أنها ذات جيش لا يقهر . . وكانت طائراتها الحربية تصعد عملياتها الهجومية لتمتد الى طول الجبهة من قناة السويس شمالاً الى خليج السويس جنوباً. في ذات الوقت الذي استخدمت فيه قوات الكوماندوز المحمولة جواً في عمليات جريئة واسعة النطاق في عمل الأراضي المصرية ، فأظهرت أوجه الخلل والعجز في النظام الدفاعي المصري وأصيب عبد الناصر بعدها بأزمة قلبية من فرط الغضب والانفعال.

ففي الساعات الأولى من ليل 1/11/1968، استخدم العدو طائرات الهليوكوبتر بعيدة المدى من طراز "سيكورسكي"، و "سوبر فريلون"، في اختراق الدفاعات الجوية، والوصول الى منطقة نائية في تجمع حمادي، ودمر أحد الأبراج الرئيسية لكهرباء الضغط العالي بأسلاكه، فانقطع التيار الكهربائي عن القاهرة والوجه البحري شمالاً. وكان الغرض من العملية هو إحداث الشلل في مصادر الطاقة في مصر.

كان الجاسوس بهجت حمدان يشعر بنشوة غامرة كلما دكت طائرات العدو قواعد الجيش المصري. . الذي لم تقف قيادته عاجزة بشكل كلي عن التعامل مع العدو. بل واجهته لحد كبير بنفس أسلوبه.. وهاجمته في منطقة شرقي الدفرسوار وكبريت وأغارت عليه في مقر داره ودمرت قطعه البحرية في إيلات.

كل ذلك وكانت آلة الدعاية اليهودية تعمل بكفاءة شديدة وتبث الإحباط في نفوس العرب، من أجل إرهابهم إذا ما أقدموا على عمل حربي موسع ضد إسرائيل.

وبينما كانت القوات المسلحة تعيد تنظيم صفوفها. . كانت المخابرات العامة المصرية تراقب تحركات بهجت يوسف حمدان .. الذي قدم الى مصر وغادرها اثنتى عشرة مرة الى ألمانيا. ولاحظ رجال المخابرات كثرة لقاءاته بصهره المهندس مندور وجمعة المحامي. . وبعض رجال القوات المسلحة السابقين.

وبعد مراقبات وتحريات مكثفة . . تبين لرجال المخابرات أن هناك شبكة تجسس يرأسها بهجت. . وعلى الفور جرى اعتقالهم جميعاً يوم 2 يونيو 1969، وفي مبنى المخابرات العامة ، ووجه بهجت بأدلة تجسسه فانهار في خلال عدة ساعات، وأفصح عن دوره الحقيقي ودور كل فرد من أفراد شبكة التجسس.

ومن مبنى المخابرات أرسل الى فيزر طالباً منه الحضور الى القاهرة على وجه السرعة. . حيث وافقت الحكومة المصرية على العروض المقدمة اليها وأنه بانتظاره للتوقيع على العقود وبدء النشاط، وعندما جاء فيزر كانت المخابرات المصرية بانتظاره على سلم الطائرة..

وأثناء التحقيق مع أفراد الشبكة بواسطة العميد إسماعيل مكي ظهرت مفاجأة لبهجت. . إذ اكتشف أن ضابط المخابرات الإسرائيلي "بوتا" يهودي مصري عاش بالاسكندرية وغادر مصر بعد عدوان 1956 مباشرة. . وأنه زاول العمل في مصر كسمسار للقطن في بورصة الاسكندرية لعدة سنوات قبل مغادرتها.

اكتشف أيضاً ان المخابرات الاسرائيلية كانت تثق بنفسها أكثر من اللازم ويتملكها غرور قاتل. فبرغم احترافه لمهنة الجاسوسية بعد تدريبه الطويل في أوروبا.. وعدم تركه لدليل واحد يساعد على كشفه . . إلا أن المخابرات المصرية استطاعت اصطياده وأفراد شبكته بسهولة شديدة وفي وقت قياسي. وهذا بعد دليلاً أكيداً على يقظة رجالها الذين برعوا في إلقاء القبض على عشرات الجواسيس في تلك المرحلة العصيبة.

وبعد حوالي العام من اعتقال الجواسيس الأربعة. . أصدرت المحكمة العسكرية حكمها بالأشغال الشاقة المؤبدة على الخائن بهجت حمدان "زواجه من إنجريد وحصوله على الجنسية الألمانية أنقذه من الإعدام" وبالسجن لمدة خمس سنوات لكل من ضابط الموساد والمهندس مندور وجمعة المحامي.

كانت لهذه الحادثة آثارها المرعبة في الموساد، لمعنى اعتقال أحد ضباطها من قبل المصريين، تكشف حقائق أساليب العمل المخابراتي الاسرائيلي في التجسس على البلاد العربية، بما يعني تغيير أنماط العمل المختلفة في النشاط الاستخباراتي.

كان هناك أيضاً الأثر النفسي الذي أصاب ضباط الموساد والعملاء العاملين خارج إسرائيل، إذ تخوف كل من المتعاملين معهم من الخونة العرب، ومن محاولات اصطيادهم بالخديعة والدهاء كما حدث للضابط الخبير فيزر، الذي وقع في شرك المخابرات المصرية.

لقد تندرت وسائل الإعلام العالمية بخيبة رجال الموساد، الذين قادتهم الثقة الزائدة الى كشفهم. وكان بهجت حمدان بحق هو أول جاسوس في العالم يصطاد قائده. . بعملية خداعية ذكية مكنت المخابرات المصرية من الحصول على معلومات ثمينة . . جاءت على لسان الضابط الأسير.

_____



_____




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://zohor-mostaqble.ahlamontada.net/index.htm
Mostafa
مراقبـ
مراقبـ


ذكر
عدد المساهمات: 2607
العمر: 18
العمل/الترفيه: لعب كرة القدم
فصل: 1/5 ث وبلا فخر
المزاج: راااااااااااااااايق!!
مزاجي اليوم:
المهنة:
الهواية:
أوسمة العضو:
نقاط: 12748
السٌّمعَة: 33
تاريخ التسجيل: 18/01/2010

مُساهمةموضوع: توماس المصري   الجمعة يونيو 11, 2010 9:20 pm

توماس المصري

محدودة جداً. . شبكات الجاسوسية الإسرائيلية في مصر، قياساً بعدد الجواسيس الذين يعملون بمفردهم. وأشهر هذه الشبكات التي نعرفها ولاقت شهرة واسعة.. شبكة التخريب التي تكونت من يهود مصر وفجرت "فضيحة لافون" عام 1954 فأحدثت أزمة طاحنة في إسرائيل حينذاك.

أما شبكة توماس – التي لم تأخذ ولو قدراً ضئيلاً من الشهرة – فتعد من أكبر الشبكات التي ضُبطت، وحجّمت كثيراً من شأن الموساد، وألقت الضوء مبهراً على براعة المخابرات المصرية.

وخطورة هذه الشبكة تكمن في تنوع أنشطتها وأهدافها، وكثرة عدد أعضائها من المصريين والأجانب، وكثافة المعلومات الحيوية التي نقلتها لإسرائيل، وأيضاً. . عمرها القصير جداً الذي يقابله انتشار شرس محموم في أكثر من دولة.

إنها بحق . . أشهر شبكات الجاسوسية التي سقطت في مصر .. ولا يعرفها أحد. . !!
الصياد والفريسة

في فبراير عام 1958 دخلت سوريا مع مصر في اتحاد اندماجي، وعرفت الدولتان باسم "الجمهورية العربية المتحدة" وكانت سوريا هي الاقليم الشمالي، ومصر هي الاقليم الجنوبي. ورأت إسرائيل في هذا الاتحاد خطراً عظيماً يتهدد أمنها في الشمال والجنوب ومن الشرق أيضاً.

وحوصرت الدولة اليهودية بالجيوش العربية، ولم يتبق لها سوى البحر الأبيض المتوسط – المنفذ الوحيد الآمن، فحصنته بالسفن وبالمدمرات، وزرعت غواصاتها بطول الساحل خوفاً من حصار هذه الجبهة بالقوات البحرية العربية، وأصبحت إسرائيل تعيش في حالة طوارئ دائماً لا تدري من أية جهة تأتيها الضربة الفجائية القاضية.

لذلك حرص ساستها – بواسطة أجهزة المخابرات – على عرقلة نمو هذا التطويق العربي من الشمال والجنوب، ولعبت على كل الأوتار لإفشاله والقضاء عليه. ولم يكن بمستطاعها وقف الزحف العربي لإنقاذ فلسطين المغتصبة، سوى باللجوء الى كل الحيل القذرة والتصرفات الوحشية لإرهاب العرب، وبث الدعايات المسمومة لإخافتهم، وتصوير الجندي الاسرائيلي والعسكرية الاسرائيلية كأسطورة في الأداء والمهارة والقوة.

لذا فقد عمدت الى ترسيخ هذا الاعتقاد لدى العرب بمحو ما يقرب من "293" قرية فلسطينية وإزالتها من فوق الأرض والخريطة، وارتكاب أبشع المذابح في التاريخ دموية وبربرية ضد العرب العزل في فلسطين. هذا بجانب التكثيف الإعلامي والنشاط الدبلوماسي للحد من يقظة روح الجهاد، التي جاهدت قوى الاستعمار على إسكاتها بالضغط على العرب وسد أفواههم.. ومنع السلاح عنهم وإغراقهم في مشاكل داخلية معقدة . . كالجهل والتخلف والفقر والمرض. . وإثارة الثورات الداخلية طمعاً في شهوة الوصول الى الحكم.

كل ذلك أدى الى إضعاف الجيوش العربية في حين كانت إسرائيل تتشكل وتقوى، وتغدق عليها الدول الاستعمارية الكبرى الأسلحة المتطورة الحديثة التي صنعت إسرائيل، وزراعتها في قلب المنطقة العربية لتقسمها الى نصفين – أفريقي وآسيوي – لا أمل في التقائهما إلا بفناء إسرائيل.

من هنا كان الرعب الأكبر لإسرائيل حينما قامت الوحدة في فبراير 1958 بين الشطرين المنفصلين في الشمال والجنوب، وربطهما اتحاد اندماجي وحكومة واحدة على رأسها الزعيم جمال عبد الناصر، خاصة بعدما فشل زعماء اتفاق "سيفر" بفرنسا في العدوان الثلاثي الغاشم على مصر في أكتوبر 1956، والذي انتهى بخيبة أمل انجلترا وفرنسا وإسرائيل، وانسحابهم يملأهم الخزي والعار.

لذلك كان على إسرائيل أن تراقب اتحاد الشطرين، بل وتسعى الى معرفة أدق الأسرار عنهما. . لكي تحتاط الى نفسها من مغبة تقويضها واجتياح الأرض السليبة فجأة.

وكانت أن أرسلت الى مصر وسوريا بأمهر صائدي الجواسيس . . للبحث عن خونة يمدونها بالمعلومات وبالوثائق السرية، فجندت مصرياً خائناً من أصل أرمني اسمه "جان ليون توماس" استطاع تكوني شبكة تجسس خطيرة في مصر، وأرسلت الى سوريا – إيلياهو كوهين – داهية الجواسيس على الإطلاق، وأسطورة الموساد الذي ظل جسده معلقاً في المشنقة لأربعة أيام في دمشق. والأرمن . .جالية أقلية استوطنت مصر هرباً من الاضطهاد والتنكيل الذي تعرض له الشعب الأرمني . . وتعدادهم بالآلاف في مصر .. امتزجوا بنسيجها الاجتماعي وتزاوجوا فيما بينهم في البداية. . ثم اختلطت دماؤهم بالمصريين في مصاهرة طبيعية تؤكد هذا الامتزاج والاستقرار، واحتفظوا فيما بينهم بعاداتهم وتقاليدهم وبلغتهم الأصلية.

وتشير بعض المصادر أن تعدادهم في مصر يصل الى مائة ألف أرمني، يتمتعون بالجنسية المصرية وبكامل الحقوق، وسمحت لهم السلطات بإصدار صحيفة باللغة الأرمينية، تدعم ترابطهم وتذكرهم بجذورهم.

اشتهر عن الأرمن أنهم أناس درجوا على العمل والكفاح والاشتغال بالتجارة، لذلك.. فأمورهم الحياتية والمادية ممتازة.. خاصة بعدما هيأ لهم المناخ المستقر في مصر فرص الانطلاق والنجاح.

وكان "جان ليون توماس" أحد ابناء هذه الجالية، وقد عمل بالتجارة والاستيراد والتصدير، واستطاع بعد عدة سنوات أن يجمع ثروة طائلة تؤمن له مستقبلاً رائعاً. . تدفعه إليه زوجته الألمانية "كيتي دورث" فتغلغل داخل أوساط المجتمع الراقي يزهو بثمرة كده واجتهاده. ولظروف عمله وقرابته تعددت سفرياته الى ألمانيا الغربية لإنجاز أعماله.

هناك . . اقترب منه أحد صائدي الجواسيس المهرة، واشتم فيه رائحة ما غالباً هي نقطة ضعف من خلالها يستطيع الالتفاف حوله. . وتجنيده، لا سيما بعد تأكده من أن له علاقات واسعة في مصر.

ولم تخب حاسة الشم لدى ضابط المخابرات الاسرائيلي الذي يتستر وراء شخصية رجل أعمال. إذ اكتشف هواية خاصة جداً عن توماس. . وهي عشقه للجنس مع الأطفال الصغار. ففي غمرة مشاغله وأعماله، سرعان ما ينقلب الى ذئب شره يبحث عن فريسة تشبع نهم شذوذه.

كان توماس بالفعل يعاني من هذا الداء، ويصاب أحياناً بتوترات عصبية وتقلبات مواجية حادة، تظهر عادة في صورة ثورة على زوجته الجميلة. . التي لم تكن تدرك السبب الحقيقي في هروب الخادمات صغيرات السن من بيتها، ولا يعدن إليه مرة ثانية؟ وفشلت كثيراً في الوصول الى إجابة منطقية لذلك.
بياتريشيا اللذيذة

ولكي يزجوا به داخل دائرة الجاسوسية من أوسع الأبواب. . قذفوا اليه بطفلة يهودية يتيمة في العاشرة من عمرها، طرقت باب شقته في فرانكفورت، ولأنهم زرعوا الكاميرات والأجهزة السرية بها واتخذوا من الشقة المجاورة مكمناً لتسجيل ما سيحدث .. أذهلتهم أغرب مطاردة بين جدران الشقة الصغيرة، بين توماس الذئب الجائع. . والطفلة الضعيفة التي كانت تبكي متوسلة إليه، فيتوسل هو إليها ألا تتركه يعاني أكثر من ذلك.

كان عارياً تماماً، يتصبب منه العرق الغزير وترتجف خلجات وجهه، وبدا في قمة ضعفه عندما هجم على الطفلة، وصفعها في عنف فانخرست من الخوف، وشرع في الحال في تجريدها من ملابسها حتى تعرت تماماً، وبدا واضحاً ارتجاف أطرافها واضطراب أنفاسها اللاهثة، فتحرر بسرعة من ملابسه كأنه لا يصدق أن فريسة بين يديه، واحتضنها في لهفة الجائع وهو يأمرها ألا تصده، أو تعترض على ما يفعله بها.

وفوجئ بهم من حوله، انتزعوا الطفلة من بين يديه فانزوت ترتجف.. بينما أخذ يرجوهم ألا يصحبوه عارياً للشرطة. وأطلعوه على ما لديهم من أدلة شذوذه، فانهار.. ووقع في لمح البصر على عقد يقر فيه بتعاونه مع الموساد، وأنه على استعداد تام لتنفيذ ما يكلف به.

هذه هي الموساد .. تتبع أقذر الحيل للسيطرة على عملائها وإخضاعهم، وهذا ليس بأمر جديد على المخابرات الاسرائيلية، فلا شيء يهم طالما ستحقق مآربها وتجند ضعاف النفوس في كل زمان ومكان.

في قمة مذلته وشذوذه لم تكن لديه القدرة على أن يفكر أو يقرر، إذ أن إرادته قد شلت . . وانقلب الى شخص آخر بلا عقل. . فقد خلفته المحنة وأزهقته الصدمة، وبسهولة شديدة استسلم لضباط الموساد يتحكمون بأعصابه.. وابتدأوا في تدريبه وإحكام سيطرتهم عليه، وكتب في عدة صفحات بيده كل ما لديه من معلومات اقتصادية يعرفها بحكم عمله وعلاقاته، وأحاطوه بدائرة الخوف فلم يستطع الإفلات، وهددوا بقتل أفراد أسرته إذا ما عاد الى مصر وأبلغ السلطات. . فقد كان من السهل إقناعه بوجود عملاء لهم في القاهرة ينتظرون إشارة منهم ليقوموا باللازم مع عائلته هناك.

وتأكيداً لذلك. . أرسلوا باقة زهور الى منزله بمناسبة عيد ميلاد ابنته. . وكم كان فزعه شديداً عندما اتصل بالقاهرة فتشكره ابنته على باقة الزهور التي أرسلها.. وأصيب رجل الأعمال المذعور بصدمة عنيفة، وصرخ في هلع مؤكداً بأنه سيقوم بالعمل لصالحهم. . وتركوه يسافر ملتاعاً ومرعوباً يحمل تكليفات محددة وأسئلة مطلوب إجاباتها، وكانوا على يقين أنه سقط في شباكهم ولن يمكنه الإفلات أبداً.

وفي الطائرة استغرقه تفكير عميق فيما صار إليه حاله، وهل يستطيع النجاة من هذا المأزق أم لا؟ واتصل فور وصوله بصديقه محمد أحمد حسن الذي يشغل منصباً حساساً في مدرسة المدفعية بالقاهرة، وسأله عدة أسئلة تتصل بعمل جهاز المخابرات المصري. وهل بالإمكان حماية شخص ما تورط مع المخابرات الاسرائيلية؟ وكانت إجابات محمد حسن إجابات قاطعة، تؤكد ان المخابرات المصرية من أنشط أجهزة المخابرات في العالم بعد استحداثها وتدريب كوادرها بأقسامها المختلفة، وحسبما يقال فهي تحمي المتورطين إذا ما تقدم بالإبلاغ عما وقع لهم بالخارج.

لكن توماس لم يثق بكلامه، وظن انها دعاية يروجها لا أكثر.. فتملكه الخوف من الانسياق وراء دعاية لن تفيد، وحرص على المضي في طريق الخيانة حتى آخره. بينما انشغل صديقه بالهدايا الثمينة التي جلبها له ولم يسأله عن تفاصيل الأمر. أو عن ذلك الشخص المتورط مع الموساد.

لم يضيع توماس وقته في إثارة أعصابه بالتفكير والقلق.. وشرع كما دربوه في دراسة أحوال المحيطين به ليستكشف نقاط ضعف تمكنه من النفاذ اليهم، وكان أول من نصب شباكه حوله – محمد أحمد حسين – الذي كان يدرك جيداً أن المخابرات المصرية أضافت اختصاصات وتكنولوجيا حديثة تمكنها من تعقب الجواسيس والخونة.

تناسى الرجل العسكري كل ذلك وعاش في وهم ابتدعه. ولم يعد يفكر سوى في نفسه فقط. . وقد طغت هدايا صديقه على أنسجة عقله. كان ذلك في شهر أكتوبر عام 1958 عندما نام ضميره نوم الموات بلا أدنى حياة أو رعشة من شعور. . وأسلم مصيره بل حياته كلها لمغامرة طائشة قادته الى الهلاك.

وكانت "بياتريشيا" خطوة أولى في سلم الموت الذي لا مهرب منه ولا منجي على الإطلاق. . وبياتريشيا هذه راقصة ألمانية مقيمة بالقاهرة. . تربطها بتوماس علاقة قديمة قبل زواجه من كيتي، وفي حين انشغل عنها بعمله اضطر لتجديد علاقته بها بمجرد عودته، لتساعده في تجنيد محمد حسن الذي كان يعرف عنه ميله الشديد للخمر والنساء.

فرحت الراقصة المثيرة بعودة توماس اليها وتقابلت الأغراض والنوايا. . وبعد سهرة ممتعة بأحد النوادي الليلية. . ارتسمت بخيالات محمد حسن صور متعددة لعلاقته ببياتريشيا، أراد ترجمتها الى واقع فعلي لكن راتبه الضئيل لم يكن ليكفي للإنفاق على بيته. . وعلى راقصة مثيرة تجتذب من حولها هواة صيد الحسناوات. وتكررت السهرات الرائعة، التي أصبحت تشكل شبه عادة لديه لم يكن من السهل تبديلها أو الاستغناء عنها، وأغرقته الراقصة في عشقها فازداد اندفاعاً تجاهها، ولم يوقفه سوى ضيق ذات اليد.

عند ذلك لم يكن أمامه سوى الالتجاء الى توماس ليستدين منه، وتضخم الدين حتى توترت حياة محمد حسن. . وانتهزها توماس فرصة سانحة لاستغلاله والضغط عليه فرضخ له في النهاية وسقط مخموراً في مصيدة الجاسوسية. . مستسلماً بكامل رغبته مقابل راتب شهري – خمسين جنيهاً – خصصه له توماس لينفق على الفاتنة التي أغوته وأسكرته حتى الثمالة.

في المقابل لم يبخل محمد حسن بالمعلومات الحيوية عن مدرسة المدفعية. . كأعداد الطلاب بها وأسماء المدربين والخطة الاستراتيجية للتدريب.. كل ذلك من أجل عيون الفاتنة الحسناء العميلة.

فيالها من سقطة .. ويالها من مأساة وخيبة !!

وفي الوقت الذي نشط فيه توماس كجاسوس يقوم بمهمته، تراءت له فكرة تجنيد عملاء آخرين تتنوع من خلالهم المعلومات التي يسعى للوصول اليها. فكان أن نصب شباكه حول مصور أرمني محترف اسمه جريس يعقوب تانيليان – 43 عاماً ، واستطاع أن يسيطر عليه هو الآخر بواسطة إحدى الساقطات وتدعى – كاميليا بازيان – أوهمته كذباً بفحولة لا يتمتع بها سواه.

ولأنه كان ضعيفاً جنسياً. . رأى رجولة وهمية بين أحضانها، فهي المرأة الوحيدة التي "أنعشت" رجولته، وبالتالي فقد كان لزاماً عليه إسباغ رجولة أخرى حولها، وهي الإنفاق عليها بسخاء.

وفي غضون عدة أشهر استنزفته كاميليا مادياً. . فاتبع مسلك محمد حسن باللجوء الى توماس ليقرضه مالاً، فجنده في لحظات ضعفه وحاجته.

ولما اتسع نشاطه.. استأجر توماس شقة بمنطقة روكسي باسم محمد حسن كانت تزهر بأنواع فاخرة من الخمور، وتقام فيها الحفلات الماجنة التي تدعى اليها شخصيات عامة، تتناثر منها المعلومات كلما لعبت الخمر بالرؤوس فتمايلت على صدور الحسان وتمرغت بين أحضانها. وفي إحدى حجرات الشقة أقام جريس تانيليان معملاً مصغراً لتحميض الأفلام وإظهار الصور والخرائط، حيث كان يجلبها محمد حسن من مقر عمله ويعيدها ثانية الى مكانها.

وذات مرة . . عرض توماس على محمد حسن فكرة السفر الى السويس بالسيارة. . ثم الى بورسعيد لتصوير المواقع العسكرية والتعرف عليها من خلال شروحه. . ووافق الأخير ورافقتهما كيتي التي اطلعت على سر مهنة زوجها وشاركته عمله. وكان محمد حسن دليلاً لهما يشرح على الواقع أماكن الوحدات العسكرية.. فيقوم توماس بتصويرها من النافذة وتسجيلها على خريطة معه بينما تقود كيتي السيارة.
المشهد العجيب

وعندما تعثرت أحوال "جورج شفيق دهاقيان" – 45 عاماً – تاجر الملابس، تدخل صديقه توماس بطريقته الخاصة لإنقاذه، وكان المقابل تجنيده للعمل معه في شبكة الجاسوسية.

لم يعترض جورج كثيراً في البداية.. فهو يعلم أنه لا يملك معلومات حيوية هامة تساوي مئات الجنيهات التي أخذها من توماس مقابل إيصالات ورهونات. وقد كان توماس الخائن ينظر الى بعيد. . الى ضابط كبير يقيم أعلى شقة جورج وتربطهما علاقات وطيدة، وكان له دور فعال فيما بعد.

ولأن "بوليدور باب زوغلو" تاجر طموح يحلم بامتلاك محل كبير للمجوهرات بوسط القاهرة .. عرض الفكرة على توماس فأبدى موافقته وشجعه على المضي لتحقيق حلمه، والحلم تلزمه مبالغ كبيرة، والخمر تلتهم حصيلة مكسبه أولاً بأول الى جانب السهرات الماجنة التي تستنزف الكثير من رأسماله. عند ذلك لم يجد توماس صعوبة تذكر في اصطياده أيضاً بعدما رسم له خطوط الحلم المرجو.

لقد رأى بوليدور أن لا شيء يجب أن يعوق تنفيذ حلمه الكبير .. حتى ولو كانت الخيانة هي الثمن.

هكذا مضى توماس يصطاد ضعاف النفوس. . فيمدهم بالمال ويغرقهم في الخمر والجنس ويحصل على مبتغاه من خلالهم.. وانتعشت بذلك شبكة توماس في جمع المعلومات، لا يوقفها خوف من السقوط أو من حبل المشنقة. فالمخابرات الاسرائيلية كانت تؤكد له في كل مرة يزور فيها ألمانيا أن المخابرات المصرية خاملة ضعيفة. نشأت منذ سنوات قليلة ولم تنضج بعد، ومهما أوتيت من علم ومقدرة فمن المستحيل كشفه.

هذا الاعتقاد سيطر عليه فأظهر وفاءه لإسرائيل وكراهيته للعرب ولكل ما هو عربي. وكلما استدعوه الى ألمانيا كانوا يعدون له وليمة يعشقها من الفتيات الصغيرات أو الغلمان. ولم يعد يهمهم تصويره في أوضاعه الشاذة مع الصغار بعد ذلك. . فلقد سقط حتى أذنيه وتوسعت شبكته توسعاً مذهلاً حير خبراء الموساد أنفسهم، إذ تعدت الشبكة حدود مصر الى دول عربية أخرى.. بعدما ازداد توماس علماً بأدق فنون التجسس. . وكيفية السيطرة على شركائه بسهولة بواسطة نقاط ضعفهم التي استغلها بمهارة، وبالأموال الطائلة التي ينفقها عليهم، وقد اشتدت حاجتهم اليها، وقد عرفوا أن لكل معلومة ثمناً وقيمة.

وذات مرة عاد توماس من إحدى رحلاته في ألمانيا وفي ذهنه صورة "جورج استماتيو" الموظف بمحلات جروبي بالقاهرة.

كان استماتيو يشرف على حفلات العشاء التي كانت تقيمها رئاسة الجمهورية للضيوف، ومن خلال دخوله لقصر الرئاسة بشكل رسمي، فقد كان يعد بمثابة سلة معلومات طازجة، تحوي كل ما يدور في الحفلات الرسمية من أسرار وأخبار، ويمكن استخدام هذه المعلومات بشكل أو بآخر، إضافة الى الاستعانة باستماتيو في تنفيذ أية مخططات مستقبلية.

لذلك .. وجدها توماس فرصة لا تعوض .. وكان عنده إصرار متوحش لتجنيده هو الآخر ليحصل منه على معلومات تدر عليه مبالغ خيالية.. خاصة وأن استماتيو – 53 عاماً – يعيش مأساة عجيبة جداً. إذ كان مصاباً بالعنة المؤقتة أو عدم القدرة على الجماع إلا بعد أن يجامعه رجل مثله. حينئذ تعود اليه رجولته ويأتي المرأة بمهارة.

اكتشف توماس هذا السر وأخذ يدبر للسيطرة عليه والدخول به لوكر الجواسيس الذي صنعه. وعندما عرض الأمر على ضباط الموساد. . تهللت أساريرهم وأمدوه بأجهزة حساسة دُرب عليها لتسجيل هذا المشهد الشاذ العجيب. . وعاونه جريس تانيليان في مهمته الى جانب بياتريشيا التي واقت على تصوير المشهد للسيطرة على استماتيو.
كيرلس الوطني الشريف

في شقة روكسي تحولت إحدى حجرات النوم في شقة روكسي الى بلاتوه، وقام أحد الشباب بدور الرجل مع استماتيو المخمور. وكان المشهد الغريب الذي تم تصويره – سبباً لخضوعه. . وسقوطه في دائرة الجاسوسية غصباً عنه. ومن خلاله.. تدفقت أسرار قصر الرئاسة وما يجري بين أروقته، وما يتلقطه من أخبار وأسرار وحكايات لا تنشرها الصحف أو يعلم بها أحد.

داس توماس على كل القيم والمبادئ لتحقيق أغراضه.. ووصل به الأمر أنه قدم زوجته كيتي دورث هدية الى بعض المحيطين به لتستخلص منهم أسراراً معينة. . ولم يبخل بها على صديقه محمد حسن الذي حمل إليه ذات مرة وثيقة هامة تحوي أسراراً غاية في الخطورة، أراد توماس تصويرها فطلب منه محمد حسن الثمن. . زوجته، وأمام رغبته وتصميمه لم يجد بداً من تحقيق مطلبه، وعلى فراشه.

ونعود مرة أخرى الى جورج شفيق دهاقيان . . التاجر الذي أنقذه توماس من الإفلاس، لقد كانت تربطه جيرة وصداقة بضابط كبير بالقوات المسلحة اسمه "أديب حنا كيرلس" لاحظ كيرلس تردد جاره دهاقيان على منزله كثيراً في مناسبات عديدة وبدون مناسبات أيضاً. وكان في كل مرة يناقشه في أمور عسكرية حساسة ويحاول الحصول على إجابات لاستفساراته.. بل وإطلاعه على لوحات ووثائق عسكرية تؤكد شروحه.

لاحظ كيرلس أيضاً أن جاره يعيد طرح أسئلة بعينها سبق أن أجابه عليها. وشك الضابط في الأمر، فهذا التاجر يريد إجابات تفصيلية لأمور عسكرية حساسة. . وكلما أعرض عنه يزداد إلحاحاً عليه. . عندئذ. . انقلب شكه الى يقين. . وبلا تردد حمل شكوكه الى جهاز المخابرات المصرية وأطلعهم على كل ما دار من حوارات.

وبعد مراقبات دقيقة لدهاقيان .. أمكن التعرف على توماس والمترددين عليه، وكانت مفاجأة غاية في الغرابة. . إذ تكشفت شبكة جاسوسية خطيرة كان لا بد من معرفة كل أعضائها. وفي خطة بالغة السرية والحذر . . أمكن الزج بعناصر مدربة الى الشبكة فاتضح أن لها أذرعاً أخطبوطية تؤلف شبكة جاسوسية تمتد لتشمل دولاً عربية أخرى.. تكونت بها خلايا على اتصال بفروع للموساد في كل من ألمانيا وفرنسا وسويسرا وهولندا وإيطاليا. . وكلها تعمل في تناسق مدهش، وتكوّن في مجملها ست شبكات للجاسوسية في القاهرة والاسكندرية ودمشق.

وبالقبض على الخونة في 6 يناير 1961 اتضحت حقائق مذهلة .. فغالبية الجواسيس سقطوا في بئر الخيانة بسبب الانحراف والشذوذ. وكانت أدوات التجسس التي ضبطت عبارة عن خمس آلات تصوير دقيقة، وحقيبة سفر ذات قاع سري، وعلبةسجائر جوفاء تخبئ به الوثائق والأفلام، وجهاز إرسال متقدم وجد بسيفون الحمام بشقة خاصة بتوماس في جاردن سيتي.

وبموجب القرار الجمهوري رقم 71 لسنة 1961 شكلت محكمة أمن دولة عليا. . يشمل اختصاصها كل وقائع التجسس في مصل وسوريا "كانت الوحدة لازالت قائمة" وخلال ستة أشهر.. بلغت جلسات المحاكمة 83 جلسة، وبلغ عدد صفحات ملف القضية حوالي ستة آلاف صفحة، وأدلى 95 شاهداً بأقوالهم منهم الخبراء والفنيون والمختصون، أما عدد المتهمين من المصريين فكان 11 متهماً ومن الأجانب 6 ودافع عنهم 33 محامياً، وجرى ندب طابور طويل من خبراء مصلحة التزيف والتحليل بالطب الشرعي، وخبراء اللاسلكي والإلكترونيات، بالإضافة الى عدد كبير من الفنيين الذين انتدبوا بمعرفة المحكمة، وعدد من المترجمين بالجهات الرسمية.

وفي 25 أكتوبر 1961 أصدرت المحكمة حكماً بإعدام جان ليون توماس شنقاً، ومحمد حسن رمياً بالرصاص، وبالأشغال الشاقة المؤبدة والمؤقتة على الآخرين.

أما كيتي دورث فقد أفلتت من العقاب في مصر لأنها سافرت لألمانيا قبل القبض على أفراد الشبكة بعدة أيام، لكن عقاب السماء كان أسرع. إذ صدمتها سيارة مسرعة وقتلت. . في الحال بأحد شوارع فرانكفورت. . بينما باتريشيا التي عوقبت بالسجن لمدة عامين، فقد أصيبت بسرطان في الثدي امتد الى صدرها النافر المثير. . والتهم هذا الجمال الرائع الذي استغل أسوأ استغلال في اصطياد الخونة والجواسيس.

وفي إسرائيل تشكلت لجنة "قعادات" وهو اختصار لاسم "قعادات راشيل هاشيرو تيم" والمؤلفة من رؤساء أجهزة المخابرات في إسرائيل ومستشاري رئيس الوزراء. . لدراسة أسباب سقوط هذه الشبكة .. التي كانت تمثل مصدراً حيوياً يتدفق بالمعلومات الاستراتيجية في الجمهورية العربية المتحدة.

لقد كان هذا السقوط المفاجئ سبباً في صدمة عنيفة لكبار قادة الاستخبارات الاسرائيلية. إذ تبين لهم بشكل قاطع أن هناك عقولاً عربية تستطيع إرباكهم. . وتدمير مخططاتهم القذرة في المنطقة العربية بحيث يجدّون دائماً في البحث عن أساليب جديدة متطورة، تذكي ذلك العالم السري الغامض .. عالم المخابرات والجاسوسية. . !!

_____



_____




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://zohor-mostaqble.ahlamontada.net/index.htm
Mostafa
مراقبـ
مراقبـ


ذكر
عدد المساهمات: 2607
العمر: 18
العمل/الترفيه: لعب كرة القدم
فصل: 1/5 ث وبلا فخر
المزاج: راااااااااااااااايق!!
مزاجي اليوم:
المهنة:
الهواية:
أوسمة العضو:
نقاط: 12748
السٌّمعَة: 33
تاريخ التسجيل: 18/01/2010

مُساهمةموضوع: أحمد ضاهر . . ـ جاسوس الصدمة   الجمعة يونيو 11, 2010 9:23 pm

أحمد ضاهر

سقطت مغشياً عليها. . وسقط الجنين . . وتكر السنون تطرحها تأكل فؤادها. . وعقلها. . وتلتهم جذور صبرها بلا هوادة. .

استغل هو معاناتها. . وضغط بقوة على براكين آلامها . . ففجرها. . وأشعل بداخلها ثورة من جنون غاضب .. متمرد، وصرخت: سأحرق قلوبهم وأنسف أفراحهم . . إنني أتشوق للعمل معكم بشرط ألا أتعرى . . أو أضاجع حيواناً منهم مهما كان مركزه.

هكذا بدأت "نورما عساف" في لبنان . .

رحلة الانتقام . . والثأر . . والكراهية .. !!

شبكات التعقب

عندما تتجسس المخابرات الاسرائيلية على الدول العربية، فهي إنما تسعى لمعرفة أدق الأسرار الحربية والسياسية والاقتصادية لتبني استراتيجيتها المختلفة. أما في لبنان، وفي حالة الجنوب اللبناني بالذات، فالوضع يختلف كل الاختلاف، إذ أنها تتعامل مع منظمات ثورية وجماعات فدائية دائمة التنقل والحركة، تخطط لعمليات هجومية وانتحارية فجائية يصعب رصد مقدماتها أو توقيتها، مما يشكل عبئاً ثقيلاً على القوات الإسرائيلية، التي تظل في حالة طوارئ مستمرة توقعاً لكل شيء.

لهذا سعت الموساد لتجنيد أكبر عدد من سكان القرى الحدودية لإمدادها بأخبار فورية عن الفدائيين، معتمدة في ذلك على أسلوبين من العمل التجسسي:

1- جاسوس يعمل منفرداً، موثوق في إخلاصه وصدق معلوماته وأخباره، غير مطالب بالبحث عن خونة آخرين لتكوين شبكة جاسوسية "وهو يختلف عن جاسوس المهمة الواحدة".

2- شبكة جاسوسية تضم أكثر من عميل في عدة مواقع.

والشبكة عادة ما تتكون إما عن طريق جاسوس ماهرة أعطى أمراً بتجنيد آخرين لمعاونته، وإما بإلحاقه تحت إشراف جاسوس آخر، أو شبكة مؤلفة سلفاً.

لقد انفردت لبنان – عن بقية الأقطار العربية بكثافة عدد الجواسيس داخل الشبكة الواحدة. فعندما ضبطت السلطات الأردنية إحدى شبكات الموساد، وتبين أن أعضاءها وصل عددهم لـ "37" جاسوساً، تملكنا العجب. لكن . . أن تسقط في لبنان أوائل العام 1999 شبكةواحدة مؤلفة من "200" عميل للموساد، فذلك هو الأعجب حقاً. . والدليل الذي لا يحمل تأويلاً على ازدهار النشاط التجسسي الإسرائيلي في لبنان . . مما يعطينا مؤشراً لدى الرعب الإسرائيلي والهلع من عمليات الفدائيين الفجائية، برغم وجود ثلاثة آلاف عميل يتألف منهم جيش لبنان الجنوبي.

لكل ذلك نخلص الى حقيقة جلية، أن الجاسوسية الإسرائيلية في لبنان هي عماد الأمن الذي تنشده، ومن هنا تتعامل الموساد مع ما بثته اللاسلكيات في لبنان بشكل مغاير تماماً لمثيلاتها في الأقطار العربية الأخرى. إذ تتخذ الاستعدادات الأمنية الضرورية بمنتهى السرعة في سباق مع الزمن. فالتحركات الفدائية تتسم دائماً بسرعة الحركة والفعل. . ولا وقت للتريث ريثما يتأكد صحة البلاغ أو الخبر.

تماماً، عكس الشبكات في الدول العربية الأخرى التي لا تأخذ الموساد أخبارهم بمحمل الجد، إلا إذا جاء ما يؤكدها من خلال شبكة أخرى داخل القطر نفسه. لكن هناك حالات استثنائية جداً كانت فيها الموساد تثق في صدق المعلومة المبثوثة اليها دون أدنى مراجعة، للثقة العالية في مصدرها .

وفي القصص السابقة تعرفنا على العديد من حالات التجسس المنفرد. . ونتعرف من خلال هذه القصة على نموذج آخر لأساليب التجسس الإسرائيلي، وهو نظام شبكة الجاسوسية المكلفة بتتبع الفدائيين والتغلغل في مهارة داخل نسيجهم للحد من عملياتهم وتسللهم عبر الحدود، فتلك هي وظيفتها الأساسية، بعيداً عن القيام بأعمال تخريبية في لبنان، أو ترويج الإشاعات، أو المساعدة في تسهيل مهام الاغتيالات لزعماء الثورة الفلسطينية.
راقصة المونتريكال

بداية . . أشير الى أن المقاومة الفلسطينية في الجنوب اللبناني بالذات لم تتوقف أوتكف عن إنهاك إسرائيل منذ قيامها، وكان ذلك من خلال عمليات محدودة وغير منظمة. استمر هذا الوضع حتى أعلنت منظمة التحرير عن نفسها عام 1965، فأشتعلت المقاومة، وتضاعفت حدتها ضراوة بعد نكسة يونيو 1967، ثم ازدادت اشتعالاً بعد أحداث أيلول الأسود 1970، وطرد المقاومة من الأردن الى لبنان. . فقد تصاعدت العمليات الفدائية بشكل انتقامي متصل ومنظم، لا يهدأ سواء عبر الحدود، أو بدفع لنشات الفدائيين عبر البحر المتوسط للمدن الساحلية والمستعمرات الإسرائيلية، والقيام بعمليات غاية في الجرأة والجسارة داخل الأرض المحتلة.

كان الأمر بحق مرعباً في إسرائيل، ولهذا لجأت الموساد لأسلحتها الفتاكة المعتادة – الجنس والمال – للحد من هجمات الفدائيين، وبرعت في تصيد عدد كبير من الخونة لإمدادها بتحركاتهم وخططهم ونواياهم. وكان من بين هؤلاء الخونة "أحمد ضاهر" 37 عاماً من بلدة "عيترون" الواقعة على بعد خمسة كيلو مترات من الحدود الإسرائيلية جنوبي لبنان.

فمن هو أحمد ضاهر؟ وما الظروف التي دفعت به الى السقوط في مصيدة الخيانة؟ وكيف استطاع تأليف شبكته الجاسوسية؟

إنها قصة طويلة مثيرة بدأت أحداثها في بيروت عام 1969.. عندما قرر أحمد ضاهر فجأة أن يغلق دكان بقالته في "عيترون" ويهجر حياة البساطة الى أضواء بيروت، يراوده حلم الشهرة في عالم الغناء والطرب.

وما أن احتوته المدينة الجميلة الساهرة، حتى اجتاحه إحساس جميل بمستقبل مشرق ينتظره. . وشعور بالأمان طالما افتقده منذ أنهى الخدمة في الجيش اللبناني – كرقيب متطوع – إثر حادث سيارة ترك بصماته بعظام ساعده الأيمن. واستطاع وقتها، بالمكافأة المادية التي حصل عليها، أن يفتتح محلاً بسيطاً للبقالة في قريته.

إلا أن مطالب أمه العجوز وزوجته رباب وأولاده الأربعة كانت أكبر من دخل دكانه، مضافاً اليها مجموع ما ينفقه على شراء اسطوانات الأغاني والمجلات الفنية، التي تقربه دائماً من عالمه الذي يسبح فيه خلال إرهاصاته ليل نهار.

وجمعته هواية الفن بشاعر حالم اسمه "كمال المحمودي"، دأت على السهر معه، وانتقاء ما يصبح من أشعاره للغناء. فامتزجا معاً يحلمان بالشهرة وبالمجد، ويبعثران أحلامهما عند انقضاض الواقع، ولما سافر كمال المحمودي الى بيروت يبحث عن فرصة تحقق لهما الأمل، كتب الى صاحبه ليلحق به. وأقاما معاً بشقة صغيرة تتألف من حجرة واحدة في حي بئر العبد، الواقع ما بين المطار الدولي جنوباً والمرفأ من الشمال، يفصلهما عن حي الحمراء الشهير المدينة الرياضية، وصبرا، والمزرعة، وتل الخياط.

مسافة كبيرة يقطعانها سيراً على الأقدام في أحيان كثيرة، يحملان معاناة المجد والحياة والأضواء التي أثقلتهما وأنهكتهما. فرحل الشاعر يائساً الى باريس، وبقي أحمد ضاهر وحده ببيروت يصارع اليأس والجوع والتعب.

أربعة أشهر وهوينقب عن فرصة للغناء في كباريهات المدينة، تعرف خلالها بفتاة ترقص الدبكة في ملهى "مونتريكال" في "جونية" (1) وقدمته لإدارة الملهى كمطرب من الجنوب، لكنهم عرضوا عليه أن يعمل كبودي جارد، وأمام حاجته الى المال، وافق على العرق، وظل يعاني صراعاً داخلياً مريراً أوصله الى درجة السآمة.
فوار أنطلياس

في إحدى الليالي بينما يجتر حاله، خرجت إحدى الزبونات تترنح لا تدري أين أوقفت سيارتها. فساعدها في البحث عنها لكنها لم تكن بحالة تسمح لها بالقيادة ليلاً، وأجابها بنعم عندما سألته عما إذا كان بمقدوره القيادة وتوصيلها لمنزلها.

وفي السيارة تأمل لأول مرة السيدة الحسناء التي عن يمينه، وقد انحسر ثوبها الناعم القصير عن ثلثي ساقيها، وارتعش ثدياها النافران في تمرد سافر لاهتزازات الطريق، فأربكته لفتتها وقد قرأت في عينيه أفكاره، وسألته بصوت خفيض عذب مثير:
- بيظهر نظرك ممتاز.

أجابها وقد تمكن منه الإعجاب:
- يا لطيف بحالي، صوتك مثل اللوز الفرك، بيقرش قرش.

ضحكت في تأوه لذيذ وهي تقول:
- شو؟ تغنيلي قصيدة؟

تذكر في الحال حلمه الضائع، فنسى جسدها المرمري المثير وانطلق يحدثها عن أمانيه، وحلم الهجرة الى الشمال أملاً في الغناء. وانتبهت الى حديثه كأنما أفاقت من سكرها قليلاً وقد أخذ يشدو بصوت رخيم:

وكم أهوى سواد الليل في العينين
حورية
وكم أهوى . . جنون الوهم . . أحياه
بأشواقي البدائية . .
عن الدنيا حكايات . .
عن الأنثى . .
عشيقاتي
الأساطير الخرافية

صاحت في دهشة:
- صوتك شو حلو. . إنشالله بتغني في "الكوت دو روا" ، ما تحير بالك.

وبدلاً من أن يواصل الى بيروت – حيث تسكن في حي الأوزاعي الراقي – أمرته أن ينحرف بالسيارة حتى وصل الى مفرق ضيق دخل فيه بين غابة من الصنوبر ثم استقر أمام مقهى كبير تظلله الأشجار فقال:
- أين نحن الآن؟

قالت وهي تهم بمغادرة السيارة:
- فوار أنطلياس.

تقدمته الى ركن قصي، وجلسا متقابلان على طاولة يجري بموازاتها جدول صغير تترقرق موجاته مع حركة النسيم الرقيق.

مالت الى الطاولة فظهر خليج صدرها الناصع يغور الى الظلام، وسألته عن اسمه وموطنه وظروفه فأجاب. فطلبت كأسين آخرين من "الجين"، وبنظرة منها آمرة رفع كأسه وشربه، ومتردداً سألها عن اسمها فأجابته:
- "كارلا"

حاول أن يعرف المزيد عن شخصها فشردت ببصرها ورجته أن يؤجل ذلك لمرة قادمة.

كانت برغم جمالها الأخاذ وأنوثتها الفتاكة في الأربعين من عمرها أو يزيد بقليل. يهودية لبنانية الأصل اسمها الحقيقي "نورما عساف" هاجرت مع أبيها وأختها "ليز" الى أمريكا عام 1957 وهي في الثلاثين. فقد أعرضت عن الزواج بعد مقتل زوجها عام 1951 على يد الفلسطينيين، عندما ضبطوه يتجسس على مواقعهم بالقرب من "قلعة شقيف" كانت قد اقترنت به وعمرها تسع عشرة سنة عام 1947 بعد قصة حب مجنونة اشتهرت في "أهدن" ولما جاءها نبأ مقتله كانت حاملاً في شهرها الثاني، فسقطت مغشياً عليها، وسقط الجنين، وضاعت فرحتها منذ تلك اللحظة.

ولمدة طويلة انغلقت على نفسها وتعثرت دراسياً بالجامعة الأمريكية ببيروت، الى أن تماسكت شيئاً فشيئاً، فامتثلت للحقيقة وأكملت دراستها في الفلسفة وعلم الاجتماع، لكنها كانت في كل لحظة تضعف فيها عند هجوم الذكريات، تزداد يقيناً بأنها لم تنس الحبيب والزوج القتيل.

تكر السنوات وتطرحها موجات الحياة على الشواطئ فلا تنسى، وتظل حبيسة الماضي الذي يأبى أن يغادرها. واعتقد أبواها بأن الهجرة قد تنسيها معاناتها، وتمزجها بالمجتمع الجديد بعيداً عن لبنان، لكنهما كانا واهمان. فانتهما كانت مكبلة بماضيها بحبال من فولاذ وصورة زوجها ما تزال تتدلى على صدرها، أما خطاباته الغرامية فقد أودعتها علبة مزركشة برسوماته لا تغلق حتى تفتح. كانت هداياه أيضاً منثورة بكل أركان حجرتها، وملابسه تحتل مكان الصدارة في دولابها، حتى أحذيته. . فكثيراً ما كانت تتلمسها برفق وحنان وشوق مسعور. وضحكت ذات يوم وقد حدثتها أمها مترددة في أن تصحبها الى الطبيب النفساني، فقالت لها:
- أتحسبينني جننت؟ كنت أحب زوجي ولا زلت، ولن أسمح لرجل قط أن يلمس جسدي من بعده.
كارلا استيفانو

في شارع MULTRIE عاشت نورما بمدينة "شارلستون" ، وافتتح أبوها مطعماً بالقرب من الميناء يقدم الأطعمة الشرقية للبحارة العابرين. وفي منتصف 1958 وفد الى المدينة زائر تبدلت مع مقدمه حياة نورما تماماً، إنه "روبي" ابن عم زوجها، الذي أنبأها بأنه هاجر الى إسرائيل، وقد جاء الى أمريكا ليتدرب في أحد المصانع، واندهش الشاب أمام تعلق نورما بحياتها في الماضي وعدم رغبتها في الخروج منها، وحاول معها كثيراً لكنه فشل.

وفي زيارته التالية لم يجيء وحده، بل كان بصحبته مراسل صحفي إسرائيلي، عرض عليها للخروج من أزمتها أن تسعى للانتقام من قتلة زوجها، وأن تطاردهم أينما كانوا.

جذبها حديثه وحرك فيها كوامن الثأر التي كم راودتها لكنها عجزت عن إيجاد الوسيلة لذلك. ولما سألته كيف تنتقم وتثأر (؟‍!!) أجابها بأن هناك وسائل شتى للانتقام وإراحة أعصابها، ووعدها بأن يجيئها بالشخص الذي يعاونها.

وبعد أيام قلائل، كانت تنصت باهتمام شديد لرجل لبق أنيق، استغل معاناتها جيداً وضغط بقوة على براكين آلامها ففجرها، إنه "أبراهام مردوخ" ضابط المخابرات الاسرائيلي..

لقاء واحد بينهما أشعل ابراهام بداخلها ثورة من جنون الغضب، والحقد الأسود والكراهية للفلسطينيين، ولم تنتظره ليعرض عليها العمل مع الموساد. . بل هي التي ضغطت فكيها توعداً وصرخت فيه:
- سأحرق قلوبهم كما فعلوا بي، سأنسف أفراحهم وأحلامهم. . إنني أتشوق للانتقام والثأر، فألف كلب منهم لن برويني دماؤهم.

أجابها في هدوء:
- سيدتي . . الغضب في عملنا قد يكلفنا حياتنا. نحن نعمل بلا أدنى اندفاع، فالحرص والذكاء هما مفتاح مهامنا وقوتنا، وأساس عملنا في جهاز المخابرات.

قالت:
- إنني على استعداد تام للعمل معكم، لكن بشرط، ألا أتعرى لرجل، أو تضغطوا علي لأضاجع حيواناً عربياً، مهما كان مركزه، لأجلب منه أسراراً تريدونها.

ابتسم مردوخ ابتسامة باهتة لا تحمل معنى وعقب قائلاً:
- ليكن في معلومك سيدتي أن الجنس أمر غير وارد في عملنا . . (!!) . . لكننا نلجأ اليه مع بعض العرب الذين يعيشون حالة شرسة من الجوع الجنسي، والبعض الآخر يكتفون بالمال فقط للتعاون معنا. وعلى كل، أعدك بألا نُعرضك لأولئك الجوعى، فعندنا فتيات مدربات جيداً للتعامل معهم.

انتهى اللقاء بينهما . . وكان عليها أن تنتظر بضعة ايام ليجيئها الأمر بالسفر الى تل أبيب. وقد حدث، وطارت تسعمائة كيلو متراً الى نيويورك حيث التقت بمردوخ، الذي شرح لها خطواتها القادمة، وأطلعها على ما يجب أن تفعله في روما.

في روما كان ينتظرها شخص ما تسلم منها وثيقتها اللبنانية وسلمها وثيقة أخرى باسم "كارلا ستيفانو"، وظل يتابعها من بعيد حتى وهي تصعد سلم الطائرة الاسرائيلية المتجهة الى مطار اللد.

كانت تشعر بسعادة غامرة وقد أدركت أن هناك تغيرات جديدة اقتحمت حياتها. بحفها إحساس بالنشوة وهي مقبلة على الانتقام لزوجها، وثمة تبدلات لذيذة اجتاحت مشاعرها عندما حلقت الطائرة الى دائرة كاملة فوق تل أبيب، قبل أن تهبط باللد على بعد سبعة عشر كيلو متراً، وهتفت:
- ها هي إسرائيل أخيراً. . الوطن الجديد والحلم والمعاناة . . الوطن الذي قتل من أجله الحبيب . . .

ومن أجله أيضاً تسعى للثأر بقدميها. .
حية بين الأفاعي

- أهلاً بك في إسرائيل مسز نورما.

صافحت اليد الممدودة في سعادة، وتأملت وجه الرجل البشوش اللطيف القسمات وهو يقول:
- نأمل أن تكون الرحلة طيبة .. من فضلك دعيني أحمل حقيبتك . .السيارة قريبة من هنا.

كان الاستقبال حافلاً وحاراً كطقس سبتمبر 1958، وأخبرها موافقها أنها ستقيم بفيلا رائعة على شاطئ البحر في "نتانيا" وأنها بعد الغد ستكون ضيفة شرف على مائدة أيسير هاربل (1) الرئيس الأعلى للمخابرات الإسرائيلية، في احتفال يقام بمناسبة مرور ستة أعوام على رئاسته للمخابرات.

انبهرت نورما بهاريل عندما قام لاستقبالها، منحنياً أمامها في احترام وهو يقبل يدها ويدعوها الى مائدته. . وسرت ببدنها رجفة زهو سيطرت عليها بصعوبة.

التفت بوجهه الوديع ناحيتها وقال لها:
- لتغفري لي سيدتي أنني لم أكن في شرف استقبالك بالمطار. إنني لفخور جداً أن تنضم سيدة رائعة مثلك الى اسرتنا في الموساد.

ازدادت ارتباكاً لرقة حديثه وذوقه في انتقاء كلمات الإطراء، وتمتمت ببضع كلمات خجلى بدت غير واضحة، فأخرجها من خلجها عندما وقف قائلاً:
- اسمحي لي مسز نورما أن أقدمك الى كبار رجال الدولة في إسرائيل. مشت الى جواره ثم تأخر عنها خطوة وهو يقدمها لأكبر ضيوفه: بن جوريون رئيس الوزراء الذي قبل يدها وهنأها على سلامة الوصول. ثم قدمها لجولدا مائير وزيرة الخارجية، ولبن زبون بنكوس وزير المواصلات، وشمعون بيريز وموشي ديان، ولشخصيات هامة أخرى منهم إسحاق يزير نيتسكي ، ويهو شافاط هاركابي ، ومائير ياري زعيم المابام، والجنرال آموز مانور ، والجنرال مائير ياميت ، وليلى كاستيل ، والياهو ساسون، وبنيامين بلومبيرج، وغيرهم من مؤسسي إسرائيل وكبار رجالاتها.

أحست نورما عساف بأهميتها رغم ضآلتها، وأسلمت قيادها لفريق من أكفأ رجال الموساد قاموا على تدريبها وتلقينها فنون التجسس، وطرق اصطياد الخونة وأساليب السيطرة عليهم.

أربعة اشهر كاملة في نتانيا أخضعت أثناءها لدورات مكثفة في التمويه والتخفي، واستعمال المسدس، واستخدام جهاز اللاسلكي في البث بشفرة معقدة، تستند الى حروف من كلمات رواية "الأرض" للأديبة العالمية "بيرل بكْ" وأطلعوها أيضاً على ملف كبير يحوي أعمال زوجها القتيل في خدمة إسرائيل.

هكذا شحذوا همتها وأشعورها بأهمية دورها في لبنان، وذلك للحد من العمليات الفدائية المتكررة التي تجيء عبر الحدود مع إسرائيل.

وفي 23 يناير 1959 غادرت نورما تل أبيب الى روما، وكان في استقبالها الشخص نفسه الذي قابلها عند مجيئها من نيويورك، فتسلمت منه وثيقة سفرها اللبنانية وطارت الى بيروت. عشر سنوات في لبنان تطارد الفلسطينيين وتنقب عن ضعاف النفوس بين سكان الجنوب، تساعدها في مهامها فتيات ذوات حسن وجمال أخاذ، ينتشرن في كل أرجاء لبنان، منتدياتها، وكباريهاتها، وشواطئها، وفنادقها. البعض منهن يهوديات يعرفن حقيقة نورما عساف، والأخريات إما مارونيات أو أرمينيات يجهلن شخصيتها، ينقدن لرغباتها أمام سطوة المال وسحره، ويجتهدن في اصطياد الجنوبيين في بيروت، والفلسطينيين البائسين أيضاً.

عشر سنوات وشبكة نورما تبحث عن الخونة الذين يسهل إخضاعهم بالجنس والمال، فتطويهم طياً، وتزرعهم في جُبْ الخيانة لخدمة إسرائيل، وكان "أحمد ضاهر" أحد هؤلاء الذين تصيدتهم بمهارة، فماذا حدث بعد لقاء فوار أنطلياس؟ .
في ذكرى بيار . . ! !

بعد جلسة فوار أنطلياس انطلق أحمد ضاهر بنورما الى شقتها، ماراً بطريق المرفأ مخترقاً حي المزرعة حتى الأوزاعي على الكورنيش، وأمرته بالتوقف أمام إحدى البنايات العالية، وطلبت منه أن يزورها بشقتها في اليوم التالي، حيث تكون قد أجرت عدة اتصالات بشأنه مع بعض الملحنين.

هكذا أمضى ابن الجنوب ليلته يحلم بالمجد، وينتظر موعد اللقاء على أحر من الجمر، في ذات الوقت الذي كانت فيه نورما تضع خططها وتنصب شباكها لاصطياده. . إذ أدركت أنها أمام جنوبي قانط يبحث عن أمل.

وما أن حان موعد زيارته إلا وكانت في أبهى زينتها، ووقارها.

فتحت له الباب خادمة تضج بالأنوثة وقادته الى الصالون فانبهر بروعة الأثاث وفخامة الديكور، وتوقف عند لوحة كبيرة ذات إطار محاط بشريط أسود. كانت اللوحة لشاب يبدو في عنفوانه علقت حول رقبته عناقيد من الورد، وأبانت ابتسامته الواسعة المتألقة أثار جرح قديم ممتد لأسفل ذقنه.

- بيار ، زوجي.

انتفض أحمد ضاهر واقفاً وهو يقول:
- الله يقدس روحه.

كانت ترتدي فستاناً طويلاً من الدانتيل الأسود، وثمة حزن بالغ يجسم على ملامحها برغم ابتسامتها، جلست قبالته في وقار أجبره على طرد ما فكر فيه بالأمس، لما غزته الرغبة أمام مفاتنها، واندهش وقد لاحظ أنه يجليس على حافة الكرسي في أدب جم.

أخبرته بأنها اتصلت بشأنه بالملحن المعروف "طنوس خوري"، ووعدها بأنه سيستمع الى صوته بعد عودته من أثينا بعد أسبوعين، وقالت أيضاً أنها اتصلت بالفنان "وديع الصافي" فوجدته يحيي حفلاته بأمريكا. وعندما دخلت الخادمة الفاتنة تدفع أمامها عربة الشاي، تعمد ألا ينظر اليها، واتجه ببصره الى الأرض، فقد كان ثوبها القصير ذي الحمالات مقور الصدر، يفضح نهدين متوثبين في انحناءتها الطويلة.

نفرت أعصابه فتصبب منه العرق، وأخذ يفرك أصابعه كطفل أغر، ولم يدر لماذا خطرت بباله زوجته رباب في تلك اللحظة بالذات، وأجرى مقارنة سريعة وسخر في نفسه لمجرد أن قارنها بالخادمة.

"رباب. . ؟ . . لا وجه للمقارنة ايها الأبله. . بقرة ضامرة الضرع والجسد وغزال بديع المحيا يتراقص رقصاً في مشيه . . " . . وأخذ يشدو:

إن أعصابي انتهت . .
لا شيء باق.
فاعشقيني أبد الساعات رقصاً.
واغمسي أظفارك البيضاء في عمري.
ففيه تقرع الأجراس.
تحتد الطبول.
آه كم أصبحت مجنوناً،
وكم أحتاج أن أبكي على صدر دفئ؟
يأويني . . أنا الطفل الخجول.
فصحرائي انشقت.
وماضي احتضار موحش.
فقر بخيل.

هتفت نورما في إعجاب:
- صوتك شو كتير حلو .. ليش بدك تبكي على صدر دافئ؟ افتكرت رباب ها الغبية؟

- هون ما في فرح "مشيراً الى صدره".

- إنشا الله حياتك جميلة.

- عيونك بتنطق مرار.

امتقع لونها وارتعشت خلجاتها، وتنهدت في أسى:
- اليوم مات بيار من تمنتاش سنة . . هالذكرى ما بتموت، كان بحب لبنان وترابه، وبحب كل العرب، اتعصر حالو كتير واتبدل . . وصار يكره اليهود ويشرد وانا وياه. كنا عم نتمشى بالكورنيش طلت دموعه . . سألته شو صار .. ؟ حرقتني زفراته وبحرقة لكز الأرض وقال: هناك بفلسطين المدابح . . هناك فيه تقتيل ومعتقلات ومشردين، وكل العالم طق حنك ما في .. وهون، فيه رقص وطرب وسكرانين يدوروا عالبارات. الله يبيد اللي ما يدافع عالعروبة.

"أجهشت بالبكاء". . : مرت ليام وما عاد إلو أثر، فارقنا بيار عالجنوب واندار يضرب مع الفلسطينيين في اليهود، ولما صار يمرق عالحدود، فجّره لغم مزروع، وما عثر حدا على رجوله "رجليه"، ومات منزوف.

كان جسدها يهتز في انفعال وتأثر وهي تصف مشهد قتل زوجها، وكيف حملوه اليها بدون أطرافه السفلية.

لقد أجادت دورها ببراعة لا تملكها إلا ممثلة محترفة، واستطاعت أن تستحوذ على تعاطف ضاهر وإشفاقه، وبلهجة وطنية طلبت منه أن يساعدها لتنتقم من الإسرائيليين ولما أبدى عدم فهمه لطلبها قالت إنها تجد لذة كبرى وتشعر بسعادة غامرة كلما قرأت أو سمعت عن عمليات الفدائيين عبر الحدود، ولكن تتشوق لمساندتهم والوقوف الى جوارهم رغبة في الانتقام، وتعاطفاً مع قضيتهم، وأبدت استعدادها لإمدادهم بالمال ليتواصل جهادهم، ثم أظهرت إعجابها الشديد ببطولاتهم وسالت ضاهر فيما يشبه الانبهار:

- كيف يعيش هؤلاء الأبطال؟
- كيف يتحركون؟
- كيف يتدربون؟
- كيف يتجمعون؟
- ما الطرق التي يسلكونها لعبور الحدود؟
- ما الأسلحة التي تنقصهم؟
- و . . . .. . . الخ.
الصدمة

ألهبت حماستها مشاعره فكلمها عما يعرفه، وفشل في الإجابة عن بقية تساؤلاتها لأنه – كما قال – عاش منكمشاً في بقالته، لا يحفل بما حوله من تطورات تتصل بالفلسطينيين منذ ترك الجيش اللبناني.

عند ذلك أنهت الحديث عن الجنوب، وطافت به في رحلة رائعة حول عالم الفن وأحلام الشهرة، ثم نقدته عائتي ليرة ليقتني ملابس جديدة تليق بمقابلة الفنانين الكبار.

وفي زيارته الثالثة لشقتها، استقبلته خادمتها جورجيت بملابس تظهر أكثر مما تخفي. فمشى وراءها الى الصالون مشدوهاً بترجرج مفاتنها، وثار بداخله وحش الرغبة يعوي عطشاً. وأنبأته بأن سيدتها في زيارة لمخيات اللاجئين في "صور" وهي على وشك العودة. فلما جاءتهه بكأس من العصير البارد اعتقد أنه سيخفف لسع النار بداخله، لكن هيهات أن تخمد رعشة الوطر بكأس بارد.

دق جرس التليفون فنادته، كان صوتها من بعيد يأتي آمراً:
- أنا هون بصورْ .. بتنتظرني.

أحس بلذة تسري بأوصاله، فما بين صور وبيروت يربو على الثمانين كيلو متراً، مسافة تقطعها السياة في ساعة ونصف الساعة على الأقل. إنه بلا شك وقت ضئيل سيمر سريعاً على ملهوف مثله، يجمعه مكان مغلق بأنثى بركانية المفاتن تتبختر جيئة وذهاباً فيلعق الشفاه الظمأى، وتتصاعد من رأسه أبخرة الجحيم المتلظي.

حاول كثيراً أن يتماسك أمامها، أو يتظاهر بالثبات والهدوء، لكن شيطان الرغبة كان يعض في أعصابه وينهش مقاومته بلا رحمة، فيستسلم ابن الجنوب لابنة الموساد المدربة الماهرة، وقد تحول بين أحضانها اللافحة الى طفل مشاغب أغر، استلذ طعم النشوة ببحرها لا يريد شطاً ولا نجاة.

لم يجل بناظريه بعيداً عنها، أو يلحظ الكاميرات الدقيقة وأجهزة تلقط الأصوات المبثوثة بالحجرة، تسجل قمة لحظات ضعفه، وشذوذه. فظمآن مثله لا يستطيع عقله المغيب ترجمة المعالم حوله، ذلك أن إعصار الرغبة أعماه، وأغرقه في جاهلية المدارك وأغوار اللاشعور.

كانت نورما قد تغلغلت داخل البيئات الإجتماعية الفلسطينية في لبنان، بادعائها التعاطف مع قضيتهم، ودأبت منذ سنوات عملها لصالح الموساد، على زيارة مخيمات اللاجئين الفلسطينية للوقوف على مشاكل سكانها، والإنفاق بسخاء على المرضى والأطفال الأيتام، فحظيت بذلك على حب سكان مخيمات الجنوب لما لمسوه منها من ود وتعاطف.

هكذا كان الأمر في الظاهر. وما لم يعلمه أحد أنها كانت تعد تقارير وافية، تبعث بها الى الموساد أولاً بأول، عن أحوالهم وتوجهاتهم ومعنوياتهم، مستعينة بشبكة هائلة من العلاقات مع رموز الفلسطينيين واللبنانيين، تمكنت من خلالهم من الحصول على أسرار دقيقة أفادت مخابرات إسرائيل كثيراً.

هذا ماحدث أيضاً بعد ذلك في السبعينيات، عندما أرسلت الموساد الجاسوسة الأردنية "أمينة داود المفتي" لجلب معلومات عن القادة الفلسطينيين، واستطاعت بسهولة أن تخترق أسرارهم لثقتهم بها كطبيبة عربية. كانت أمينة مدفوعة أيضاً بحب الانتقام من العرب، الذين أسقطوا طائرة زوجها الحربية فوق الجولان واختفت أخباره. واستغلت الموساد محنتها بمهارة الى أن تم كشفها، وتركت لسنوات تواجه السجن والتعذيب المعنوي في أحد الكهوف بجنوب لبنان.

وهناك أخريات كثيرات بعثن الى لبنان للامتزاج بالنسيج الاجتماعي الفلسطيني، بعضهن سقطن وبعضهن هربن. إلا أن نورما عساف كانت هي الأولى – حسب المعلومات المتوفرة – التي سبقت في هذا المجال، فنجحت في مهمتها خير نجاح بفضل ذكائها ومواهبها ودافعها للثأر.

ولما عادت الى بيروت بعد رحلة صور، ابتسمت مرحبة بأحمد ضاهر، وسألته هل قامت جورجيت بالواجب تجاهه.. ؟ فكانت نظرة الرضا على وجهه تفضح جرعة "الواجب" التي حظي بها.

كانت ترتدي ملابس أنيقة محتشمة انتقتها بعناية، وغلفت رنة حزن صوتها وهي تقول له: "إن أعصابها لم تعد تحتمل ما تراه في الجنوب". وانتبه لحديثها وهي تفيض في وصف المخيمات، وحالة البؤس التي عليها سكانها، ولما تطرقت في الحديث عن الأطفال اليتامى، سرحت ببصرها الى ما وراء الجدران. . وترقرقت دموعها. . ثم طفرت بلا وعي منها . فاختنق صوتها المتهدج وانتابتها نوبة من نحيب مرير. فقد هجمت غصباً عنها ذكرى موت طفلها الجنين .. وتذكرت أمومتها المحرومة ولوعتها شوقاً لطفل تلده، تذكرت أيضاً عمرها الزاحف للخريف وقد تساقطت منه السنون، وينهش جمالها الزمان لولا المساحيق التي تلطخ بشرة هاجمتها تجاعيد الحزن والغضب.

أذكى شجنها لهيب الحسرة داخلها. فاستسلمت لقبضة الضعف تطبق على ثباتها فتسحقها سحقاً، لكن ، أي صنف من النساء تلك المرأة؟ . . لقد توقفت فجأة عن النحيب، وتبدلت نظراتها الرقيقة الحانية الى أخرى عنيدة. . شرسة، ماكرة، فجففت دموعها ونطقت بقرارها:

- الحين برتب تذكرتين لأتينا، بدي أملص من هالكرب يومين باليونان، صار لازم ترافقني.

بدون إرادة، وجد نفسها الى جوارها بالطائرة ظهر اليوم التالي . . وكانت خطة تجنيده في اليونان قد تم وضع آخر فصولها. . مثل عشرات من اللبنانيين قبله رافقوها طواعية الى "مصيدة العسل" طوال رحلتها المثيرة في عالم الجاسوسية.

كانت خطة السيطرة والتجنيد تعتمد على أسلوب "الصدمة" الصدمة القوية الفجائية STROKE OF LIGHTNING التي تشل وعي الضحية، وتفقده السيطرة على توازنه العقلي فيستسلم.

هذا الأسلوب ناجح جداً، وقد أجادته المخابرات السوفييتية بمهارة عندما كانت قوية، وترفضه – أحياناً – أجهزة المخابرات الأخرى معتمدة على نظريات خاصة بها. . إلا أن الموساد خاضت كل الأساليب والنظريات المختلفة، وطورتها. وكانت نورما قد برعت الى حد الاحتراف في أسلوب التجنيد بالصدمة، وهو أعلى درجات التمكن المهني التي تتطلب ذكاء خارقاً يفوق الوصف.
مصيدة أوسيانوس

حلقت الطائرة فوق الأكروبول ACROPOLIS في دائرة كاملة، ليتمكن المسافرون من تصوير القلعة من كل الزوايا، وفي ساحة المطار الخارجية كانت تنتظر سيارة ليموزين فخمة بداخلها جلست "أرليت" . . ملكة الإذابة .. رفيقة نورما ومحطة الخداع الأخيرة، التي ليس لها حل في جمالها.

صافحت أرليت ضيفها ونظراتها تخترقه، فألهبته، وأذابت عقله في لحظات معدودة، وفي بهو فندق "سالونيكا" ظهر "غسان" مهندس الإعداد والتنسيق. . فتعارفوا جميعاً على أنهم أصدقاء نورما.

وفي أثينا القديمة – البلاكا – تناولوا العشاء في أحد المطاعم، حيث تتصاعد الأنغام الصاخبة، ويتألق الرقص الفولكلوري مجتذباً السياح الذين انسجموا مع هذا الجو المرح، فشاركوا في الرقص الشعبي على أنغام "البوزوكيا".

وبينما تصدح الموسيقى وتتعالى الضحكات، أومأت أرليت الى ضاهر فقاما الى الرقص، قاذفاً بشرقيته وبخجله وطفق يرقص في نهم بلا كلل. ويمضي الوقت بهما سريعاً فيطل الفجر . . ويترنح ضاهر حتى يصل الى سريره، لينام بعد ذلك نوماً ثقيلاً، استعداداً لرحلة "أوسيانوس".

كانت أوسيانوس باخرة ركاب عملاقة، تحتوي على 235 حجرة مكيفة، وحمام سباحة، وساحة للاسترخاء، وصالونات فخمة وبارات ومطعمين.

اجتمع الاصدقاء الأربعة على ظهر الباخرة، كانت نورما لا تفارق مجلس غسان، بينما انفرد ضاهر بأرليت كما تمنى. وبعد العشاء على أنغام الموسيقى الحالمة.. اختفيا عن الأنظار فوق السطح حيث أضواء النجوم وآهات العشاق وطرقعات القبل. حثدها كثيراً عن نفسه فأفردت له مساحة كبيرة من الألفة قربتهما، ونام يحلم حتى الصباح الباكر بأفروديت التي أيقظته بنقرات رقيقة من أصابعها على بابه:

- هادي رحلة يا كسلان، نحنا عالسطح منشان بنشوف "الميكونوس" الجميلة. .

فرت من أمامه تجري ضاحكة، وعلى عجل ارتدى ملابسه وأدركها. . بعد قليل أطلت جزيرة ميكونوس MYKONOS بشوارعها الضيقة البراقة، وبيوتها الكلسية البيضاء، مساحة هذه الجزيرة تبلغ حوالي 40 كيلو متراً مربعاً. جمالها الأخاذ حمل عدداً من الأدباء والفنانين على اقتناء بيوت لهم فيها .

وعند انتصاف النهار، ارتدت أرليت البكيني، وحملق ضاهر يتحسس بعينيه جسدها لا يصدق بأن أفروديت بعثت من جديد. فانبجس منه العرق وقد ثارت رغبته، وقذف بنفسه خلفها "في البيسين" لعله يطفئ لهيب جسده لكن الماء أزاده ناراً ولفحاً.

وفي اليوم التالي وصلت الباخرة الى كريت، فزاروا قصر "كنوسوس" الذي كان مؤلفاً من 1200 غرفة، ثم متحف هيراكليون، وبعد الظهر أبحرت الباخرة عائدة الى أثينا.

صعدت أرليت بالبكيني الى السطح، وبينما بركان رغباته يصطخب، كانت الباخرة تمر بالقرب من جزيرة "سانتورين" المشهورة بالبركان الذي يحمل اسمها. إنها مصادفة عجيبة أن يتقابل بركانان.. أحدهما خامد والآخر يفور وينشط..

كانت أرليت طوال الرحلة تذيب الجمود بينهما تمهيداً للمعركة القادمة . . لذلك . . لم تتركه يلمس جسدها أو يحاول، فقط أشعلته وجعلته يرغب ويتمنى، وينتظر ويتحرق.. فانكبت تقرأ ما بأعماقه في نظراته الجائعة، وكان هذا الجوع الذي وصل مداه الى قمم الخور فألاً حسناً لما قبل "الصدمة" . . !!

بالقرب من شارع بيلوبونيزوس PELOPONNESUS في أثينا، يوجد سوق تجاري قديم يموج بالحركة والحياة. بإحدى بناياته المرتفعة نزل ضاهر بالطابق التاسع، كانت الشقة مؤلفة منحجرة نوم واحدة وصالون، شقة صغيرة تكفي لشخص واحد أو لشخصين، تركت معه نورما بضع دراخمات وسافرت الى "كاستوريا" في أقصى الشمال "لزيارة خالتها"، ووجد اللبناني نفسه وحيداً لعدة أيام دون اتصال منها أو من أرليت. . الى أن نفدت دراخماته وسيطر عليه الخوف والقلق. فهو غريب في بلد غريب لا يعرف لغتها، ولا يملك مالاً يتعيش منه، أو تذكرة سفر تعيده الى وطنه.

وبينما هو في سجن مخاوفه وتوتره وجوعه، كان غسان في الشقة المجاورة ومعه اثنان آخران، من خلال شاشة صغيرة أمامهم كانوا يلاحظون كل شيء في شقته.

وفي التوقيت المختار والمحدد بدقة، اتصلت به أرليت، وذهبت اليه تحمل أكياس الطعام والعصائر، فملأ معدته الخاوية وخرج معها الى شوارع أثينا وحدائقها البديعة، يملؤه الزهو وعيون المارة تحسده على فتاته الحسناء الفاتنة . . وتمنى وقتها لو أنه بقي الى جوارها لا يفارقها أبداً. . ولأنه يعرف قدر نفسه، ويخاف أن تصدمه، سألها عن فرصة عمل فوعدته أن تتكم مع والدها حيث يمتلك شركة خدمات بحرية كبرى بأثينا.

وبعد سهرة رائعة بأحد البارات صحبته الى "مصيدة العسل" حيث بدت ثملة عن أخرها ازدادت التصاقاً به خشية السقوط وهو يقودها الى غرفة النوم، تفوح من جسدها البض رائحة أريجية، ترسل دفقاً متواصلاً من الرغبة الى عقله، ولما تحررت من بعض ملابسها ثار بركانه . . وانجرف الى فوهة عميقة يطير تلذذاً . . واندهاشاً. .

و .. بينما هما عاريان في الفراش . . تتصاعد نشوته شيئاً فشيئاً، فوجئ بنورما فوق رأسه، ومعها غسان ورفاقه.

انهمدت نشوته على حين فجأة، وارتجت فيه الأرض، فقد كانت نظراتها شعاعات من التوحش، وبصوتها حشرجة الهلاك.

قالت له في الحال مشيرة الى أرليت التي انسحبت عارية من الحجرة:
- هايدي إسرائيلية . . من الموساد، كليتنا من الموساد، وبنريدك تعمل ويانا. .

- . . مو .. موساد؟

- شو صار رأيك؟

"قذفت اليه بصوره العارية مع جورجيت ولوحت له بعدة شرائط مسجلة".
- موساد .. ؟

- وقعْ عالوثيقة نحنا ما بنمزح. "أخرجت من جيبها ورقة مطوية وقلماً".

- وثيقة؟ (كان كلما جذب الملاءة ليستر نفسه بها شدها أحدهم فبقى عرياناً).

صارخة في شراسة:
- ما بدنا تعطيل شوها لفرك؟ وقع .

إن الشخصية الخائرة ASTHENIC في نظريات علم المخابرات . تطلق على الشخص الذي أفقدته الصدمة قدرة التفكير .. ففي ظل الكارثة التي حلت به يصاب العقل بالذهول وتغيم في الشعور STUPOR مع غياب الحس وبلادة الإدراك SLUGGISH والانتقال من أحد جوانب الموقف الى جانب آخر. . وهو ما يطلق عليه في علم النفس مصطلح "الاتجاه المجرد" ABSTRACT ATTITUDE .

ومن خلال بطء العملية العقلية.. وعدم القدرة على التصرف، مع ظهور أمارات اضطرابات آلية، يسهل السيطرة على الشخص الخائر، والتحكم في إرادته المشلولة بنسبة فائقة النجاح. وقد كان هذا بالضبط هو حال ضاهر الذي فاجأته "الصدمة" فعجز عن مجابهتها. واستسلم لمصيره خائراً .. منهاراً.

ودون أن يدري ماذا حدث . . كأنه الحلم، وقّع أوراقاً لا يدري بالضبط ماذا كتب بها، وخرجت نورما تعلو وجهها ابتسامة الظفر، وعادت أرليت اليه من جديد، ولم تكن ثملة كما كانت تدعي، بل كانت تحمل كوباً من العرق اللبناني وطبقاً من "المازاوات".

كان على أرليت أن تبقى في جواره، خلال تلك اللحظات بالذات، حتى يفيق من ارتجاجة الصدمة. مستغلة هذه المرة أقصى ما عندها من نعومة وحنان ورقة، ولأنها مارست مهاماً عديدة سابقة كتلك، فالأمر بالنسبة لها أصبح مألوفاً. . وطبيعياً. فقد كانت تمتلك خبرات عالية اكتسبتها في فن معاملة "المصدومين" لتليينهم . . وتمهيد الطريق للخطوات اللاحقة. إنها بحق خطوات شيطانية بدأت في فوار انطلياس، ثم بشقة نورما مع جورجيت، وأخيراً مع أرليت ذات المهمتين، التسخين . . والتليين.

ذلك إنه عالم المخابرات والجاسوسية الذي وصفه الكاتب المعروف "هانسون بولدوين" قائلاً:

"إن نظام المخابرات الصحيح عبارة عن منشأة ذات إمكانات هائلة لكل من الخير والشر، ويجب أن تستخدم الرجال والنساء كل الوسائل. . فهي رقيقة، وشرسة، تتعامل مع الأبطال، والخونة . . وهي ترشي، وتفسد، وتختطف، وأحياناً. . تقتل . . إنها تقبض على قوة الحياة والموت .. وتستغل أسمى وأدنى العواطف، وتستخدم في الوقت نفسه الوطنية حتى أعظم معانيها. . والنزوات في أحط مداركها. . !!".

بهذا وقع أحمد ضاهر في الشرك دون أدنى مقاومة .. فقد مورست معه نظريات علم النفس والسيطرة حتى أذعن للأمر. . واستسلم لفريق التدريب صاغراً ليتمكن من تعليمه.. وتخريجه جاسوساً للموساد .. كيف بدأت رحلته في عالم التجسس على الفلسطينيين؟ وكيف جند خونة آخرين لصالح الموساد؟
العائد الجديد

تعهد به على الفور رجال الموساد في أثينا. . وأخضعوه لدورات تدريبية في فنون التجسس وكيفية الامتزاج بالفلسطينيين، ولأنه – كطبيعة البشر – ربما قد يتمرد على واقعه بعدما يفيق من أثر الصدمة، أفهموه باستحالة الإفلات منهم .. وهددوه بأنه عملاءهم في لبنان لا حصر لهم .. ولديهم القدرة على إلحاق الأذى بمن يتمرد أو يرفض الاستمرار معهم .. وقد يصل الأمر الى حد قتله أو قتل أولاده. .

هكذا ألقوا الرعب بقلبه، ووعدوه بالثراء الفاحش إذا ما أخلص لهم. . وأكدوا له مقدرتهم الكاملة على حمايته وعدم التخلي عنه في أية حال، وصيّروه "كالعجينة" في أيديهم يشكلونها كيفما شاؤوا، فتجمد الدم بأوردته وتوحش بداخله الخوف ينهش أعصابه. . وكان كلما هدأ قليلاً ارتعشت أطرافه وخلجاته وغرق في محيط من هموم.

ولما أطلقوا عليه أرليت لتهدئته كانت رغبته قد تكسرت، وانعقدت إحساساته كرجل أمام أنوثتها المتوقدة، فلم يعد يثيره ذلك الجسد الأفروديتي الذي حلم باحتوائه، ودفئه . . ومذاقاته.

بعد ثلاثة أسابيع في أثينا حمل معاناته الثقيلة عائداً الى بيروت، وأسرع الى منزله في "عيترون" الحدودية يحفه الشوق لأسرته والخوف أيضاً، وكم كانت دهشته عندما اكتشف أن زوجته رباب لها مذاق جميل مسكر، مذاق بطعم آخر يحن اليه ويختلف كثيراً عن مذاق جورجيت وأرليت. قرأت رباب في عينيه تبدله . . وأحست بأن العائد ليس هو الزوج القديم، إنما شخص آخر يفيض حباً، وحناناً، وحزناً، وحاول بدوره أن يبدو طبيعياً لكن الحمل الثقيل الذي ينوء به يفصح عن أرقه وكوابيس خوفه ويفضح أسايره، وفشلت رباب في أن تجعله يبوح بما يؤرقه، بحنانها، عند هدأة نفسه بين أحضانها، وانهارت محاولات انتشاله من رعب الرؤى التي تؤرق مضجعه.

تزامن وصوله من أثينا بالأموال والهدايا مع وصول صديقه الشاعر كمال المحمودي من باريس مفلساً، محطماً، فجمعهما لقاء حار خيمت عليه ذكريات الشباب وأحلام الشهرة، وقص عليه المحمودي حكاياته في باريس وصدمته المرة هناك في العمل والنجاح، فاللبنانيون الذين قابلهم في باريس لكل منهم حكاية، فمنهم الفيلسوف الذي لا يسكت، والثرثار الذي يجب أن تضربه، والبورجوازي الحديث الذي يفرض عليك سماع قصص مغامراته، والمسكين الحزين الذي يلوي القلب، أيضاً الرومانسي الحامل في محفظته صورة جارته المتزوجة، والوطني المحاضر في مطعم "رشيد"، والنازل في أتويل "جورج سانك"، ناهيك بالوافد الذي يزور "راوول وكورلي" ويتفرج على فرساي، ويمارس الجنس بخمس فرنكات في "بيكال".

لقد صدم المحمودي في باريس وذاق الجوع والتشرد، وفشل في العثور على عمل يعينه على الاستمرار والعيش . برغم وجود شارعين باريسيين صغيرين متلاحقين في الدائرة العشرين، اسم الأول شارع لبنان، واسم الثاني شارع الموارنة، حفلا بالمئات من اللبنانيين الذين جاهلوه، وعاملوه بقسوة أدمت مشاعره وشاعريته ورقة إحساساته، فهرب الى البيت الفرنسي اللبناني المعروف بـ "الفواييه فرانكو – ليبانيه" في 15 شارع دولم في باريس الخامسة، وهو مبنى جديد يتصل بكنيسة "نوتردام دي ليبان" على مدخله ناقوس فينيقي كبير من الفخار، وفي الصالون الكبير صورة ملونة للشاعر جبران خليل جبران يرتدي الأحمر، تذكره بقصيدة للشاعر "مورس عواد" عنوانها "يسوع كلساتو حمر"، حاول أن يقيم بالدار ولكنهم بأدب أشاروا الى إطار ذهبي، بداخله صورة البطريرك "مار بطرس بولس المعشوق"، ففهم على الفور أنه كمسلم لا مكان له بالبيت المخصص للموارنة فقط، أخيراً عثر على عمل بمطعم LAURORE DE LAVIE بشارع لامارتين، كخادم وماسح للبلاط الذي يفترشه آخر الليل. . مما أصابه بداء الروماتيزم. . فقعد عن العمل وطرد من باريس كلها الى بيروت.

أما أحمد ضاهر . . فقد اختلق قصة طويلة من الكفاح والمثابرة، زاعماً لصديقه أنه برغم نجاحه في الحصول على المال، فقد فشل في حلم حياته أن يصير مطرباً، ولما شجعه كمال على أن يحاول مرة أخرى بعدما امتلك المال. . ضحك ضاهر في سخرية وقال له بأن في ذلك مغامرة خاسرة، ذلك لأن ضاهر الفنان قد مات واجتثت جذور أحلامه الى الأبد.

يئس صديقه عن فهم ألغازه، واعتقد في نفسه بأن صراعه من أجل البقاء أنهكه كمثله تماماً، ولا بد أنه سيعود ذات يوم الى حلمه.
نموت . . ولكن

شهر ونصف وضاهر في حالة انعدام وزن لا يدري كيف سيصير به الحال أو الى أين يقوده مصيره . . فثمة موعد مع نورما بإحدى مقاهي القاسمية شمال صور، على أثره ستتحدد أشياء كثيرة. وفي الطريق الى صور من عيترون، شاهد سيارات عديدة تقل أفواج الفدائيين الفلسطينيين بزيهم العسكري تتحرك شمالاً وجنوباً، تعلو وجوههم نظرات التحدي والإرادة . . والصمود.

عبرت به السيارة جسر القاسمية – أكبر الجسور وآخرها على نهر الليطاني – وغادرها ضاهر الى جانب الجسر . . حيث خط حديد الحجاز الذي أقيم عام 1908، ليصل استانبول بالمدينة المنورة. ولماوصل الى ما قرب المصب، حيث يقع المقهى المطل على بساتين الموالح من جهة، ومصب النهر من جهة أخرى، لم تكن نورما بانتظاره فجلس يطوف بأفكاره غارقاً في قلقه، متجاهلاً روعة منظر الماء والأشجار والطيور من حوله، وانتفض فجأة عندما أخبره الجرسون بأن سيدة تركت له رسالة.. فتناول منه المظروف المغلق ومشى باتجاه الجسر، وفضه في الطريق وبدنه يرتجف وقرأ جملة واحدة كتبت بالحبر الأحمر: "أرليت تطلب خطاباتها، فعجل بإرسالها. . ".

كان الخطاب يحمل أمراً صريحاً بجمع أكبر قدر من المعلومات عن حركة المقاومة. . واللقاء في اليوم التاسع والعشرين من الشهر "عدد حروف الجملة" الساعة الواحدة ظهراً "الرقم 29 مقسوماً على 3"، والحبر الأحمر يرشد عن مكان اللقاء في فوار انطلياس ، ذات المقهى الذي جمع بينهما في أول لقاء تحت الأضواء الخافتة.

بقيت أربعة أيام على الموعد المقرر، وكان عليه أثناءها أن يعد تقاريره ويسجل مشاهداته، واستلزم منه ذلك أن يقوم بعدة تحركات لأصدقائه بالقرى الحدودية، يستجلب الأخبار ويسمع بنفسه ما يردده الناس عن أبطال المقاومة، وقام برحلته الأولى للبحث عن صديقه "نايف البدوي" من بلدة "بارين" التي تبعد عن قريته، عيترون، سبعة كيلو مترات، وكيلو مترين ونصف فقط عن الحدود الإسرائيلية.

كان نايف البدوي زميل دراسته الابتدائية ورفيق صباه . . عمل بالتجارة وتزوج من امرأتين أنجبتا له ثمانية أولاد أحدهم معاق وأنفق على علاجه أموالاً طائلة بلا فائدة. ومن ناحية أخرى كان نايف "محبّاً" للنساء مباهياً بمغامراته معهن ومطارداته للحسناوات أينما كن. . فتدهورت لذلك تجارته وانكمش رأسماله شيئاً فشيئاً الى أن أفلس وباع متجره، أما وحاله تبدل هكذا، فقد هده العوز والدين. . ولما زاره ضاهر كانت أحواله السيئة مرسومة على وجهه، وظاهرة جلية في كل أركان بيته. . فأشفق عليه صديقه ونقده مائة ليرة طالعها نايف ببشاشة وفرح، ورجاه أن يبحث له عن عمل ينفق منه على الجيش الذي ببيته.

عاد ضاهر الى منزله منكباً على تسجيل ما اطلع عليه خلال تحركاته في أقصى الجنوب، بينما تنطلق به السيارة الى بيروت لمقابلة نورما عساف، كان صوت المذياع ينطلق مجلجلاً بالنشيد:

فلتسمع كل الدنيا . . فلتسمع
سنجوع ونعرى . . قطعاً نتقطع
ونسف ترابك يا أرضاً . . تتوجع
ونموت . . نموت ولكن . . لن نركع
لن يخضع منا حتى طفل يرضع. . !!

بدت نورما في مقهى فوار انطلياس ناعمة رقيقة حالمة . . إلا أن منظرها البشع ذا الفحيح المرعب بشقة أثينا لم يكن ليغيب للحظة عن مخيلة ضاهر.. فما أن رآها حتى سرت ببدنه رعشة خائفة وهو بمجلسه قبالتها، ومشى خلفها الى سيارتها مضطرباً، فدارت بها دورتين كاملتين حول المكان، ثم انطلقت مسرعة الى الشمال. . فعبرت نهر الكلب بطريق طرابلس – بيروت، وانحرفت يميناً باتجاه البساتين الكثيفة والأحراش . . وأمام منزل خشبي ريفي قديم توقفت، ودفعت اليه بالمفتاح فعالج الباب وسبقها الى الداخل بيده عود ثقاب مشتعل، فبدا المكان الموحش المجهول مع وجود نورما كبيت الرعب.

أضاءت مصباحها اليدوي وعلى مقعد متهالك جلست لتقرأ ما جاءها به من تقارير ملأت تسع صفحات. . وما ان انتهت حتى قذفت بها الى وجهه غاضبة، فانكمش مذعوراً متوقعاً لكل شيء، غذ تحول جمالها الى توحش مخيف، وانطلقت نظراتها كالسهام الحارقة مع سيل من السباب لجهله بأمور التجسس التي تدرب عليها، وافتقاده للحس الأمني في الرصد والتحركات وإدارة الحوار.

رغم ذلك أعطته خمسمائة ليرة، وأخضعته لدورة تدريبية أخرى أكثر تكثيفاً وحرفية . . وحددت له مهاماً بعينها عليه القيام بها دون غيرها، وطلبت منه أن يزور صديقه نايف البدوي ويوطد علاقته به نظراً لموقع قريته الحدودية الهام.

استقر كمال المحمودي ببيروت بعدما عمل بإحدى الصحف، كانت أشعاره الوطنية تجد مساحة كبيرة على صفحاتها. . وبدأ النحس الذي لازمه لحقبة طويلة من حياته ينحسر، ويموت يأساً. . لقد كان شديد الحساسية عندما يتكلم أو يكتب عن القضية الفلسطينية واللاجئين والمقاومة .. فقربته كتاباته من رموز الثورة وكبار رجالها. . وغدت

_____



_____




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://zohor-mostaqble.ahlamontada.net/index.htm
Mostafa
مراقبـ
مراقبـ


ذكر
عدد المساهمات: 2607
العمر: 18
العمل/الترفيه: لعب كرة القدم
فصل: 1/5 ث وبلا فخر
المزاج: راااااااااااااااايق!!
مزاجي اليوم:
المهنة:
الهواية:
أوسمة العضو:
نقاط: 12748
السٌّمعَة: 33
تاريخ التسجيل: 18/01/2010

مُساهمةموضوع: رجب عبد المعطي   الجمعة يونيو 11, 2010 9:29 pm

رجب عبد المعطي

جواسيس الاسكندرية . . حفلت بالكثيرين منهم ملفات المخابرات والجاسوسية . . وكانت ظاهرة لافتة ومحيرة ألقت ظلالاً من الدهشة حول تباين ظروف سقوطهم في مصيدة الموساد .. ويمثل كل جاسوس منهم حالة مختلفة عن الآخر. فبعضهم كان بمقدوره ألا يسقط .. ولكن النفوس الوضيعة والضعيفة .. والطمع، والنمو المبكر لبذور الخيانة، أمور معقدة لا ترتبط مباشرة بقيم أو مفاهيم أو شرف، فهناك مردودات أخرى وترسبات تتفاعل وتنسجم وتصنع في النهاية جاسوساً. . ويظل سؤالنا يتردد:

لماذا كثر جواسيس الإسكندرية؟
المضطهد المطارد

في الأول من أكتوبر 1937 .. امتلأ منزل الحاج عبد المعطي بلفيف من الأهل والأصدقاء جاءوا يباركون مقدم مولوده الأول "رجب". ولأن الحاج عبد المعطي تاجر مشهور في حي القباري بالاسكندرية فقد انهالت عليه الهدايا من حيث لا يدري. فالمولود جاء بعد انتظار طويل مليء بالقلق والصبر والترقب. وتجارب لا حصر لها مع الأطباء والأدوية. وفي شهر رجب – جاء رجب.

وبعد عدة أشهر حمل الرجل وزوجته أمتعتهما وحطا الرحال بأطهر أرض ورفعا أيديهما عند الكعبة يطلبان من الخالق جل شأنه أن يبارك لهما في رجب ويشكرانه على "عطيته". وشب الوحيد نبتاً طرياً يأكل بملعقة من ذهب كما يقولون. . فقد وفر له أبوه كل أسباب الرغد، وجعل منه شاباً خنوعاً مدللاً كان مدعاة لأن يخفق إخفاقاً ذريعاً في الحصول على الثانوية العامة .. ومع عدة محاولات أثمرت جميعها عن خيبة أمل للأب اغتر الابن وأوهم نفسه بأن له من العقل ما لم يملكه غيره. . ويستطيع – بدون شهادات – أن يصبح رجل أعمال مشهوراً ينافس عمالقة السوق والميناء . . ووسوس له الشيطان أنه فقط بحاجة الى فرصة يثبت من خلالها أنه عبقري زمانه الملهم.

حاول الحاج عبد المعطي إفاقة ابنه من سكرة الغرور وإعادته الى طريق الصوات ففشل. إذ سيطرت على رجب عبقرية كاذبة نشأت من فراغ العقل والثقافة. وصار يحلم ليل نهار بشركة رجب للخدمات البحرية.

ولما امتنع والده عن إمداده بالمال اللازم حتى يتحصن بالخبرة .. مضطراً وافق رجب على العمل في وظيفة كاتب حسابات بميناء الاسكندرية . . إرضاء لوالده. واستغرق في عمله الجديد حتى توسعت مداركه واستوعب الكثير من الخبرة بعد الاحتكاك الفعلي في الحياة.

وبعد ثلاث سنوات من العمل في الميناء .. لم ينس حلمه الكبير ففاتح أباه . . وهذه المرة كان عنده إصرار عنيد على ألا يرجع. فلما عارضه والده بشدة غادر المنزل غاضباً.. وتحت ضغوط الأهل والأصدقاء.. رضخ الأب أخيراً أمام رغبة ابنه وأمده بعدة آلاف من الجنيهات وهو على ثقة من فشله وخسارته. وغمره للمرة المليون إحساس بندم شديد لأنه دلل ابنه وفتح له منذ الصغر خزينة أمواله بسحب منها كفيما يشاء. .وتمنى بينه وبين نفسه لو أن الزمن عاد به الى الوراء فيقوم على تربيته بالشكل الصحيح .. وينشئه فتى معتمداً على ذاته فيشب رجلاً يعرف قيمة العلم والقرش .. ويدرك جيداً أن للحياة ألف وجه ووجهاً.. ولكن . .فات الأوان وحسم الأمر . . !!

من ناحية أخرى كان رجب يدرك ما يدور بعقل والده، وأراد أن يؤكد له كذب ظنه واعتقاده.. فتوسع في أعماله دون خبرة كافية بمنحنيات السوق وتقلباته. وكانت النتيجة المؤكدة خسارة جسيمة مُني بها وفشلاً ما بعده فشل .. وديوناً تزاحمت بأرقامها دفاتره.

وجاءت نكسة يونيو 1967 وتعم حالة كساد ازدادت معها الأمور سوءاً، وحاول رجب باستماتة أن يقوم التيار القوي فخارت قواه وغرق في ديونه. . وقام بتصفية الشركة وحزم حقائبه ووجد نفسه على ظهر مركب يشق مياه البحر الى ميناء "بيريه" في اليونان.

(1) نزل ببنسيون "بروتاجوراس" [1] وحاول جاهداً أن يعثر على عمل لكنه باء بالإخفاق .. فلجأ الى بحار يوناني يدعى "زاكوس" ربطتهما معاً إحدى سهرات الاسكندرية.. وكذب عليه مدعياً أنه ينجز إحدى صفقاته التجارية واستولى منه على خمسمائة دراخمة وخرب الى "أثينا" العاصمة حيث ضاقت به المدينة الساحلية الساحرة. ووجد في أثينا أن الحياة بها أكثر ضجيجاً وحركة.

(2) وفي بنسيون "زفيروس" [2] جلس يفكر فيما وصل اليه من حال سيئة: لقد مر به شهر تقريباً ولم يعثر على عمل بعد. إنه الآن عاطل ينفق ليعيش. . وعما قريب ستنفذ دراخماته فماذا سيعمل؟ هل ضاقت به الحياة أيضاً في أثينا؟

مئات من المصريين جاءوا الى اليونان يعملون في أي شيء وكل شيء.. لكنه يبحث عن عمل من نوع آخر يتناسيب وعبقريته. وكثيراً ما حدث نفسه قائلاً "لا أحد يفهمني في هذا العالم". . لقد صور له خياله أنه مضطهد .. ومعظم عباقرة العالم اضطهدوا أيضاً قبله وها هو يواجه قوى الاضطهاد التي تطارده أينما حل وعليه بالصبر حتى يكتب له النجاح.

(3) وبينما هو يتجول في شارع "سوفوكليس" [3] التقى بشاب مصري من برديس جنوبي سوهاج يعمل في مصنع للعصائر .. عرض عليه أن يعمل معه في قسم التغليف لكنه أبى بشدة أن يعمل بوظيفة تافهة كهذه.. واستعرض له سيرة حياته السابقة في مصر. . فما كان من الشاب الصعيدي الى أن نصحه بالعودة الى الاسكندرية لكي لا يقع فريسة سهلة في قبضة المخابرات الاسرائيلية. . التي تتصيد الشباب المصري العاطل في اليونان وتغريه بالعمل معها مقابل مبالغ كبيرة. وسخر رجب في داخله من نصيحة الشاب له بالعودة. . فقد كان والده يعاني الأمرين من حجم الديون التي خلفها له ومن مطاردة الدائنين في المتجر كل يوم.
المال والحسان

تزاحمت الأفكار في رأسه وغمرته إحساسات اليأس من صلاح أمره في أثينا .. والخوف من العودة يجر أذيال الخيبة والفشل .. وداهمه شعور بالضآلة وقال لنفسه "لن أيأس .. لن أستسلم أبداً مهما حدث".

أيقظته دقات الباب من أفكاره. وكان الطارق موظف حسابات البنسيون. فطلب منه إمهاله عدة أيام .. وما كانت جيوبه تحوي سوى دراخمات قليلة لا تكفي لأسبوع واحد إلا بالكاد.

هرب منه النوم واختنق صدره واهتزت أمامه الرؤى وعندما تذكر مقولة الشاب الصعيدي "المخابرات الإسرائيلية تدفع الكثير" قال لنفسه "لن أخسر أكثر مما خسرت" وأمسك بالقلم ليكتب:

- السيد المبجل / سفير دولة إسرائيل في أثينا

أنا موظف مصري أقيم في بنسيون زفيروس. ضاقت بي الدنيا وظلمتني في الاسكندرية وفي أثينا. قال لي البعض إنكم تمدون يد المساعدة لكل من يلجأ إليكم وأنتم الملجأ الأخير لي. فأرجو أن أنال عطفكم واهتمامكم.

رجب عبد المعطي أثينا 27/12/1967

ولم تكد تمر ثلاثة أيام – حتى فوجئ بمندوب من السفارة الإسرائيلية ينتظره في صالة الاستقبال .. فاصطحبه الى السفارة وهناك قابلوه بود وقالوا له:
- وصلتنا رسالتك ولم نفهم منها ماذا تريد بالضبط؟

أجاب بصوت يغلفه الرجاء:
- أريد أن أعمل في أثينا.

سلمهم جواز سفره وتركوه ثلاث ساعات بمفرده .. ثم جاءوا له باستمارة من عدة صفحات . . تحمل اسم السفارة وشعار دولة إسرائيل .. وطلبوا منه أن يملأها ويكتب سيرة حياته وأسماء أصدقائه وأقاربه ووظائفهم.

وبعدما تبين لهم أنه أمضى ثلاث سنوات في العمل داخل ميناء الاسكندرية. . طلبوا منه أن يكتب تقريراً مفصلاً عن الميناء وأهميته الاقتصادية والعسكرية ففعل. واستعرض ما لديه من مظاهر "العبقرية" الفذة في شرح كل شيء عن الميناء بتفصيل مطول. . فأذهلتهم المعلومات التي كتبها عن الميناء . . وأدرك ضابط الموساد الذي شرع في استجوابه بأنه وقع على كنز ثمين عليه أن يعمل على استثماره و"حلْب" ما لديه من معلومات.

وفي الحال سددوا حسابات البنسيون كافة ونقلوه الى فندق "أورفيوس". . وهو ابن ربة الفن الإغريقية .. وأعطوه مائتي دولار أمريكي وتركوه عدة أيام يمر نهاره وهو يغط في سبات عميق . . وفي الليل يتذوق طعم السهر في حانات وكباريهات أثينا المتحررة . . ويصاحب أجمل فتياتها وداعراتها في شارع "ارستيديس" الشهير. وعندما نفدت نقوده تماماً ود لو عاد إليه مندوب السفارة الإسرائيلية ببعض المال ليكمل مسيرة اللهو والسكر.

وحدث ما توقعه وجاءه المندوب بمائتي دولار أخرى. . فاستغرق في مجونه وتمنى لو استطاع أن يفعل أي شيء في سبيل أن يحيا حياة مرفهة في أثينا. أغرقته المخابرات الاسرائيلية بالمال حتى اطمأن الى رجالها.. وكلما نفدت نقوده ذهب بنفسه لمقابلة أبو ابراهيم في السفارة الاسرائيلية يعرض عليه خدمات مقابل الدولارات التي يأخذها. فيؤجل ضابط الموساد الحديث في هذا الأمر لوقت آخر . . وينصرف رجب بالنقود فيرتع بين الحسان عاريات الظهر والنهود هو بينهن يختال اختيالاً.

إن المال والنساء أهم أسلحة أجهزة المخابرات. بل هما الأساس الذي تبني عليه عملية صنع جاسوس أو اصطياد عميل. وأجهزة المخابرات ليست بالسذاجة التي تجعلها تنفق الملايين لاصطياد ضعاف النفوس والخونة الذين يسهل شراؤهم بالمال والفساد. . ولذلك أقامت فروعاً لها ومكاتب في الخارج تحمل أسماء شركات وهمية لا نشاط حقيقي لها سوى البحث عن الخونة. ويعمل بهذه الفروع ضباط مخابرات على أعلى مستوى من الخبرة والكفاءة. . وتخول لهم سلطات واسعة .. وتحت أيديهم مئات الآلاف من الدولارات. . وطابور طويل من السكرتارية والمساعدين الأكفاء . . بخلاف أجمل الفتيات اللاتي اخترن الطريق الصعب وخطون خطوات طويلة من الخبرة والحنكة. فهن يعرفن عملهن جيداً ويبدعن فيه وطريقهن الى الإبداع يبدأ وينتهي بالجسد. إنه السلاح السحري الذي يقتل مقاومة الهدف. . ويحرك فيه غريزته المجنونة التي تحيله الى إنسان بلا عقل أو إرادة.

(1) والمخابرات الإسرائيلية – الموساد – تفوقت كثيراً في هذه الأمور. . وأصبحت أكثر أجهزة المخابرات خبرة في استخدام لغة الجسد. . تلك اللغة التي يفهمها الجميع ولا تحتاج الى مترجم أو قواميس تفسر مفرداتها.. ولكن الذي لا يعرفه أحد. . أن الخونة الذين يسقطون في براثن الموساد .. يتحولون في لحظة ما الى مجرد بهائم تدور في الساقية . . تطاردهم سياط الأوامر والطلبات التي لا تنتهي أبداً.. وأنها تقدر ما تدفع تريد المقابل أضعاف ما دفعته. وعندما يجف معين عميلها تنبذه [4] كالكلب الأجرب وتلقي به في زوايا الذل والنسيان. . وتعامله كخائن باع وطنه وأهله ولا قيمة لإنسان فقد انتماءه، وسلك كل المسالك نحو المال واللذة.
في المصيدة

لم يدرك رجب عبد المعطي هذه الحقائق بل اندفع بكل ثقله باتجاه المخابرات الاسرائيلية . . وصادق الكثير من ضباطها في أثينا ظناً منه أنهم سينقذونه من شبح الإفلاس الذي تعلق بتلابيبه ولا يود مفارقته. ورحب كثيراً بضابط الموساد – ابو ابراهيم – الذي فوجئ به يزوره في حجرته بالفندق الفخم . . ويحدثه طويلاً عن أزمة الشرق الأوسط والوضع المتفجر في المنطقة بسبب الحروب مع العرب . . وحقهم في أن يعيشوا فوق أرض الميعاد في سلام وأمان . . وأنهم ليسوا شعباً يحب سفك الدماء بل أمة مشردة ضعيفة تسعى الى العيش في هدوء بلا حروب أو صراعات.

واستعرض ابو ابراهيم في سرد اساطير وأحاجي اللص الذي يبرر مشروعية سرقاته ثم سأل رجب فجأة:
- هل ترحب بالعمل معنا لصالح السلام؟

والابتسامة تملأ وجهه ..
- بالطبع . . ولكن .. أي عمل بالتحديد؟

أخرج ضابط الموساد الخبير أربع ورقات ذات المائة دولار ودسها في يد رجب وهو يقول:
- أنت كثير الأسئلة . . هل تعتقد أننا نريدك سفيراً لنا في مصر؟

- إذن .. ما هو المطلوب مني؟

- ألا تسأل كثيراً لكي لا أغضب منك .. عليك فقط أن تعرف أننا أصدقاء .. وأن لكل حديث أوان. هز رجب رأسه علامة على الرضوخ والطاعة ولحقه ابو ابراهيم بسؤال ذا مغزى:
- هل لك صديقة في أثينا؟

أجابه على استحياء:
- هجرتني فتاة تدعى انكسيميندرا لأنني لا أعرف اللغة اليونانية وقد ضاقت بإنجيلزيتي الركيكة.

- أوه . . أتقصد تلك الفتاة التي يملأ النمش وجهها؟ دعك منها وسوف أعرفك بفتاة رائعة تتحدث بالعربية وستكون معك ليل نهار في أثينا.

تهلل وجهه وارتفع حاجباه دهشة وقال:
- أين هي؟ أريدها حالاً. .

- ستكون الى جوارك في الطائرة أثناء رجوعك من تل أبيب.

بهت رجب ووقف فجأة كالملسوع وقال بصوت متلعثم:
- تل أبيب؟

- نعم . . !!

بسرعة قالها ضابط الموساد بلغة الواثق، وأضاف كأنه يأمره بتنفيذ قراره الذي لا رجعة فيه:
- ستسافر إسرائيل بعد عدة أيام .. وفي الغد عليك أن تحضر اجتماعاً مهماً في السفارة لمناقشة خطوات تنفيذ هذا الأمر فهل عندك اعتراض؟

هربت الكلمات وغاصت في قرار عميق . . وأجاب رجب الذي بدا كالأبله لا يضبط خلجاته:
- لا . . لا . . أنا لا أعترض . . إنها مفاجأة لي.

- عندما كتبنا تقريراً عنك وأرسلناه الى إسرائيل. . طلبوا منا أن نأخذك في رحلة سريعة الى هناك ليتعرفوا عليك أولاً. وثانياً هناك مفاجأة سارة تنتظرك. وثالثاً: لتختار صديقتك بنفسك من بين أجمل فتياتنا وتصحبها معك الى أثينا.

سكت رجب ولاحقه أبو ابراهيم:
- المخابرات الاسرائيلية إذا أعطت فهي سخية بلا حدود. وإذا غضبت ومنعت فطوفان من الهلاك قادم. وثق يا رجب أننا ودودون معك الى أقصى درجة .. أعطيناك أكثر من ألف وخمسمائة دولار حتى الآن ولم نطلب منك أدنى شيء. ألا يدل هذا على كرم منا أيها المكار؟

وربت كتف رجب الغارق في ذهوله وهو يقول في لغة ظاهرها الثقة وباطنها التهديد والبطش:
- عليك ألا تضيع هذه الفرصة .. انتهزها. . واركب قارب النجاة تنج نفسك من الطوفان والهلاك.

وعندما قام ضابط الموساد منصرفاً لم يستغرق رجب في التفكير كثيراً. لقد ثبتت لديه النية واتخذ قراره. .ولم يذهب الى سريره لينام بل خرج ينزف دولارات الموساد على الخمر وجسد داعرة صحبها الى شقتها وهو يمني نفسه بالجارية الاسرائيلية التي ستكون تحت إمرته. وفي الصباح الباكر كان يقف أمام باب سفارة إسرائيل تعلوه سحابة انكسار وبعينيه بريق خنوع ديّوث باع لحمه لمزايد !!

استغرق الاجتماع به نحو الساعة .. كانوا أربعة من ضباط الموساد في أثينا وخامساً جاء من فيينا كان يبدو أنه أكبرهم دراية بالتعامل مع الخونة وتطويع الجواسيس. طلب من رجب أن يرسم له خريطة الميناء في الاسكندرية وأين يقع مكتبه بالضبط؟!! وفوجئ رجب بماكيت مصغر للميناء دخل به موظفان ووضعاه على منضدة تتوسط الحجرة ..

أخذ رجب يشرح بتفصيل أكثر معلوماته عن الميناء. بل ويحدد أماكن مخازن التشوين التجارية . . ورصيف الميناء الذي يستقبل السفن الحربية السوفيتية. . وسفن الشحن التي تجيء بالأسلحة المختلفة من ميناء أوديس السوفييتي على البحر الأسود . . ومخازن تشوين السلاح المؤقتة .. وبوابات التفتيش والمداخل والمخارج.

وهكذا استمر يشرح لهم أسرار الميناء الحيوي، ولم يتركوا أدق التفاصيل إلا وسألوه عنها ثم طلبوا منه الانصراف والعودة صباح اليوم التالي ومعه أربع صور فوتوغرافية وجواز سفره. وبعد أن سلمهم الصور تسلم منهم وثيقة سفر إسرائيلية ذكر بها أنه إسرائيلي من تل أبيب واسمه "دافيد ماشول". . تسلم كذلك تذكرة سفر بالدرجة السياحية – أثينا تل أبيب على شركة العال الإسرائيلية – وأوصله مندوب من السفارة الى المطار وتأكد من صعوده الى الطائرة المتجهة الى إسرائيل.

وعندما جلس رجب في مقعده بالطائرة كان جسده يرتجف بشدة .. وتشوشت أفكاره للدرجة التي أصبح فيها كالمخمور الذي فقد تركيزه واتزانه . . وسرعان ما استعاد ثقته بنفسه وهو يرسم في خياله أحلام الثراء الذي ينتظره . . ووجه الفتاة المليحة التي سيختارها في إسرائيل . . وخطرت بباله فجأة فتاة من بورسعيد اسمها مايسة كانت قد هاجرت مع أهلها الى المنصورة وتعرف عليها في إحدى الحفلات العائلية وأحبها بسرعة إيقاع عجيبة وافترقا أيضاً بلا وداع. لماذا خطرت بباله في تلك اللحظة بالذات؟ ضحك بصوت مسموع فرمقته سيدة تجلس بالقرب منه بنظرة تعجب وابتسمت .. وأغمض عينيه ثم نام.. واستيقظ والطائرة تحوم فوق مطار بن جوريون تنتظر الإذن بالهبوط.
اليهودي الجديد

وعلى سلم الطائرة صافحه ثلاثة رجال .. ثم أدخلوه سيارة مسدلة التسائر كانت تنتظر أسفل جناح الطائرة .. سلكت به اتجاهاً آخر بعيداً عن بوابة خروج الركاب والجوازات . . ووجد نفسه في شوارع تل أبيب لا يصدق عينيه. .

وفي بيت يشبه الثكنة العسكرية على أطراف تل أبيب أدخلوه إحدى الشقق المخصصة لأمثاله من الخونة .. حيث كانت تنتظرهم بها فتاة رشيقة صافحته بحرارة .. ورحبت به بالعربية فسره ذلك كثيراً وقالوا له إن "زهرة" ستظل على خدمته طوال إقامته في الشقة.

وتركوه ليستريح بضع ساعات وعادوا إليه ثانية فصحبهم لمبنى المخابرات الاسرائيلية في شارع الملك شاؤل بوسط المدينة .. وكان في استقباله عدد كبير من كبار رجال الموساد. ولعدة ساعات أخضع لتحقيق واستجواب تفصيلي لكل ما كتبه عن ميناء الاسكندرية.

كان الاجتماع مغلقاً على الضباط المختصين والمحللين الذين أدركوا ميوله للنزعة العسكرية .. وكان ذلك واضحاً جداً من خلال إجاباته الحاسمة .. التي تشبه إجابة عسكرية مدعومة بلغة عسكرية بحتة .. وتغلفها تفاصيل استراتيجية دقيقة لا ينتبه اليها الرجل المدني الذي لم يجند بالقوات المسلحة.

وفي ختام الاجتماع أعد له حفل استقبال كبير في إحدى القاعات بالمبنى .. حضره عدد أكبر من ضباط الموساد ورؤساء الأقسام . . وتم منح رجب عبد المعطي رتبة "رائد" في المخابرات الاسرائيلية، ولم يضيعوا وقتهم كثيراً في مظاهر الترحيب.. إذ أعدوه لدورة مكثفة بدأها أحد الضباط بمحاضرة طويلة عن "ذراع إسرائيل الطويلة" .. وأنها تجعل العدو يرتجف رعباً، وتمنح الإسرائيليين القدرة على النوم في هدوء. وأن الموساد نجحت في حل الكثير من مشاكل الدولة اليهودية وهي على استعداد للقيام بمهام أخرى.

. . وإن عمليات الموساد ليست على درجة أقل أهمية .. بل هي أساس شهرتها.

وجاء ضابط آخر كانت مهمته تدريبية فنية تتعلق باستخدام الشفرة والاستقبال بواسطة موجات خاصة بالراديو. . وبعد أيام أجاد رجب استقبال الرسائل المشفرة وترجمتها بسرعة وكان عليه اجتياز دورة أخرى مهمة .. وجاءته هذه المرة ضابطة شابة تتحده العربية بطلاقة شرعت في تدريبه على كيفية استخدام الحبر السري في الكتابة وقراءة الرسائل المرسلة إليه بالحبر السري أيضاً. . وكذلك استعمال شفرة خاصة للمراسلة لا يكتشفها أحد.

استمرت برامج الدورة التدريبية المكثفة خمسة عشر يوماً كانت عصيبة ومرهقة. وبعد أن اجتاز الاختبارات بنجاح مذهل . . رافقته زهرة الى منتجع خاص آمن يقع على بحيرة طبرية. . وهناك أذاقته من لدائن أنوثتها ما حار فيه العقل وأذهل الشعور. قالتها له صراحة إنها هدية له لاجتيازه الاختبارات وتعاونه مع المخابرات الاسرائيلية بإخلاص. . بل وأكدت له أنها عبدة له يفعل بها ما يشاء . . وعندما صارحها بأنه يستريح إليها ويود لو صاحبته الى أثينا وعدته بأن تعرض طلبه على رؤسائها..

وفي تل أبيب أخبره الضابط المسؤول بأنه سيعود الى الاسكندرية مرة أخرى ليعادو نشاطه السابق في شركة رجب للخدمات البحرية. وأنهم سوف يمدونه بالأموال اللازمة لإحياء شركته وتجديدها. . ولكي يتم تنفيذ ذلك عليه أن يمكث عدة أشهر في أثيناء .. ويشيع بين المصريين العائدين الى مصر بأنه يمارس أنشطة تجارية رابحة جداً في أثينا .. ويجب عليه أن يتأكد من وصول هذه الأقاويل الى مصر والى أهله بالذات.

لقد تمكنوا خلال تلك المدة من تدريبه على كيفية إعداد التقارير وتلخيص الجمل واختصار عدد الكلمات. هذه الدورة المكثفة زرعت بداخله إيماناً حقيقياً واهماً بأنه صاحب رسالة مهمة أوكلت اليه. وبرغم أنهم بثوا لديه الثقة في مناعة المخابرات الاسرائيلية ضد كشف عملائها في الدول العربية .. واستماتها في استردادهم حال القبض عليهم ، إلا أنه أحس بالتعاطف معهم بعد عدة محاضرات عن تاريخ اليهود . . واضطهادهم على مر الأحقاب والعصور . . ومحاولات إبادتهم التي أسفرت عن تشريدهم ومقتل الملايين منهم . . وكانت آخر المحاولات تلك التي قام بها أدولف هتلر الذي أقام معسكرات لتجميع اليهود. . ثم حرقهم في محارق خاصة لاستئصال كل يهود أوروبا.. وهكذا حشوه بأكاذيبهم المضللة لكسب عطفه.

وعندما عاد رجب الى أثينا برفقته زهرة .. كان بداخله إصرار غريب على التعاون مع الموساد لحماية إسرائيل وأمن إسرائيل . . من التهديد العربي الدائم والذي يدعو إليه جمال عبد الناصر . . وإصراره على إلقاء اليهود في البحر ليتخلص منهم .. وترسب بداخله اعتقاد بأن عبد الناصر ما هو إلا هتلر جديد جاء ليبيد اليهود الذين يدافعون عن أمنهم . . وحقهم في أن يعيشوا في سلام.
النجاح الزائف

غادر رجب مطار بن جوريون في تل أبيب في طريقه الى أثينا ترافقه "زهرة" .. جميلة الجميلات والعبدة التي تحدثه بلغته وبلغة الجسد الناطقة.

لم تكن مهمتها إفراغ ثورات رجولته المشتعلة دائماً بقدر ما كانت رقيبة على سلوكه وتصرفاته.. وتمتحن إخلاصه للمخابرات الاسرائيلية بين آن وآخر. وكلما حاولت تصيد أخطائه وجدته أكثر منها إخلاصاً لليهودية .. وإيماناً بحق الإسرائيليين في القدس وسائر أرض فلسطين.

إنها تواجدت بجواره لتدفعه بقوة الى عشقها والذوبان فيها. فكلما ازداد عشقاً لها. . أخلص لإسرائيل .. وتفانى في خدمتها.

استأجرت له المخابرات الاسرائيلية إحدى الشقق الصغيرة في حي دميتير الهادئ. . وهيأت له من أسباب العيش والرخاء والإمتاع الكثير .. لتجعله لصيقاً بهم يدور في فلكهم لا يستطيع فكاكاً. وعلموه كيف يتعامل مع المصريين الوافدين الى اليونان للسياحة أو للبحث عن عمل. فالذين جاءوا للسياحة خصص لهم بعض الوقت وصحبهم للمزارات السياحية والأسواق والمتاحف. . وأفاض في خدماته اليهم وحملهم الهدايا الى أهله بالإسكندرية تأكيداً على تيسر أحواله وظروفه المالية في الخارج. وبدون توصية كانت صور حياته المختلفة تنقل الى والده من خلال المصريين العائدين الى مصر.

صور وجوانب مشرقة رسمتها المخابرات الاسرائيلية بإحكام شديد.. وأضفت عليها هالة من النجاحات أثلجت صدر أبيه بعدما فقد الأمل في إبنه . . وأرسل رجب خطاباته واضعاً في إسهاب عمله في إحدى الشركات الكبرى .. التي استوعبت مواهبه واكتشفت فيه عبقرية فذة دفعت بها الى الأمام بعد تعثر طويل .. فارتقى في وظيفته واحتل مكانة مهمة في بلاد الإغريق. وأكد ذلك للأب كل من حملوا إليه هدايا ابنه الرقيقة له ولوالدته ولأصحابه. وضمت خطاباته صوراً فوتوغرافية مختلفة في مكتبه وفي مسكنه.. وفي إحدى رحلاته "الى جزر بحر إيجه حيث الشاطئ يموج بالحسناوات يرتدين البكيني. . ويطاردن شبح الملل بالرقص واللهو.

لكل هذه المظاهر المزيفة .. صدق الأهل بالإسكندرية ما تبوأه رجب من نجاح .. فأرسل إليه والده يرجوه أن يعود الى وطنه مرة ثانية ليعادو نشاطه من جديد .. وليؤكد نجاحاته على أرض وطنه بعدما صقلت شخصيته. . ودرج على القيام بمهام صعبة أوصلته الى القمة. . فاستمهله رجب بعض الوقت، وانشغل بالعسي مع المصريين القادمين بحثاً عن عمل في أثينا فكان يصحبهم – بترتيب دقيق من الموساد – الى الشركات البحرية في بيريه . . والى شركات تجارية أخرى في أثينا. . على أمل أن يسقط من بينهم شاب آخر في براثن المخابرات الاسرائيلية.

لأجل ذلك اختلط العميل الخائن بالمصريين المقيمين باليونان ووطد علاقاته بهم. . وتعددت خدماته ومواقفه تجاه كل من يلجأ اليه فأحبه الشباب المصري هناك .. ووجدوا فيه صورة المصري الشهم النبيل . . في حين أنه كان يدير حوارات سياسية معهم .. ويسجل تقارير مطولة تحمل بين سطورها خسة نياته القذرة في خدمة جهاز مخابرات العدو .. فبدا كما لو كان قد اندرج لسنوات طويلة في صفوف أكاديمية الجواسيس في إسرائيل.. وأعيد مرانه وتدريبه في أثينا على استخدام الحس الأمني والملاحظة والتمويه والخداع. وهذه كلها أمور أسهب في شرحها "فيكتور أوستروفسكي" في كتابه: "الموساد" حيث بين لنا كيفية صنع جاسوس محترف في إسرائيل بواسطة أمهر الخبراء . . وأحدث دراسات علوم المخابرات والجاسوسية في العالم.

فقبل أن يخرج الجاسوس من مخبئه ليمارس وظيفته يخضع لبرنامج مكثف لا بد له أن يجتازه بنجاح وهو عن "خداع المراقبة". . ويدرك جيداً إذا ما كان قد "ألقى بظلاله" أم لا. . ومن النافذة يستطيع أن يرى الشخص الذي يقتفي أثره .. وكيف تابعه؟ وعندما يلتقي الجاسوس الظل وخاصة عند الخروج من فندق – مكتب – متجر. سيجري بسرعة لمدة خمس دقائق . . ويسير بعدها في خط متعرج الى أحد المباني ويبحث عن نقطة مراقبة ليراقب . وهذه الطريقة ستعطي الجاسوس الفرصة ليعرف أسلوب المراقبة .. وعليه حينئذ أن يمتنع عن إثارة أية شبهات أو إتمام عمل .. ويركب وسيلة مواصلات الى مكان آخر بالمدينة خلاف الذي كان يقصده.

هكذا تدرب الجواسيس وأيقنوا أن هذا التصرف يتعلق بتكتيك السلامة الذي يجب أن يتبعه كل جاسوس. خاصة إذا كانت ظروف عمله معرضة لبعض الشكوك.

واتبعت الموساد أيضاً مع رجب ذات النظرية التي شرحها "ديفيد تلبيني" في كتابه: "فرق الرصد" عن كيفية الإثارة التي تتولد لدى الجواسيس والعملاء الصغار من ذوي "الميول المظهرية". . وقد كان الخائن رجب يعشق اللكنة العسكرية في الحديث .. والمرافعات العسكرية في الوصف ولو لم يلتحق بالقوات المسلحة . . وعندما لاحظ خبراء الموساد هذا الاتجاه منحوه رتبة رائد في الجيش الاسرائيلي إشباعاً لغروره.
عودة الظافر

لم تكن زهرة فتاة فراش للجواسيس الجدد بل إنها عميلة مدربة أخضعت فكرياً ومعنوياً وجسدياً لخدمة الموساد. عميلة تؤدي عملاً مهماً وأساسياً لصالح إسرائيل. وجسدها أحد أركان هذا العمل الأساسية.

إنها تستغل جسدها في تطويع الجواسيس وربطهم بها. . حيث درست وتعلمت أن لكل رجل عادات وميولاً.. خاصة تظهر جلية عندما يتجرد من ملابسه أمام امرأة عارية. قد تكون ميوله سوية أو شاذة .. لا يهم .. فإن لديها القدرة على احتواء كل أنواع الرجال وإشباعهم وتأكيد رجولتهم وتضخيم فحولتهم. إن الجنس بالنسبة إليها عمل مهم، وترتقي من خلاله وظيفياً ومهنياً إذا ما أبدعت فيه مع الخونة الذين يجري إعدادهم، وتنال شهادات شكر وتقدير بعد تطويعهم.

ولذا . . لم يكن وجود زهرة على مسرح الحدث عملاً ثانوياً يحسب على جهاز المخابرات الاسرائيلي. إنه جزء مكمل لتعمية العميل عن الحقائق والثوابت .. وإخضاعه بتصويره في أوضاع شاذة تظهر مدى ضعفه. . وخلق دفء عاطفي يزيل غمامة الخوف التي قد تؤثر في إقدام العميل فينشط ويبدع ويقوم بعمله خير قيام.

مر عام ونيف ولم يزل رجب في أثينا في حضن المخابرات الاسرائيلية يترقب موعد رجوعه الى الاسكندرية. وعندما اعتقد أنه هيأ "الجو" لعودته .. تحدث مع أبو ابراهيم ضابط الموساد في السفارة الاسرائيلية الذي أمهله عدة أيام ليكتب بذلك الى رؤسائه .. ولما جاءت الموافقة .. اشاع رجب خبر عزمه على العودة الى مصر غانماً بآلاف الدولارات التي جمعها من "أعماله الناجحة" في اليونان. وعندما أشار عليه البعض بإكمال مسيرة النجاح دون العودة – مؤقتاً – الى مصر .. تملكته نعرة الوطنية المزيفة .. وأقسم ألا يحرم وطنه من خبرته وعبقريته التي يشهد بهما الأجانب. وأقيم حفل وداع صغير في أحد الفنادق حضره بعض المصريين الذين صادقهم هناك . . وبعد نهاية السهرة حمل حقائبه وتوجه الى المطار في طريقه الى القاهرة.

كان الجو قائظاً في سبتمبر 1970 والإسكندرية لا زالت تموج بعشرات الآلاف من المصطافين .. الذين هربوا من لسعة القيظ وحرقة الوهج الى الشواطئ الممتدة الجميلة وفي شقة الحاج عبد المعطي كانت جموع أخرى من البشر تتوافد لتهنئ الرجل بسلامة وصول ابنه الوحيد من اليونان.

كان الرجل أسعد الناس على سطح الأرض.. وجهه يتهلل بشراً وسحنته تضحك خطوطها ويرقص قلبه طرباً. والخائن لا يستحي وهو يحكي عن عبقرية مزعومة .. ويختلق اقاصيص الوهم التي لقنته إياها مخابرات العدو .. فأفاض في الحديث والوصف وأضفى على نفسه بطولات وبطولات.

وبعدما استقر به المقام عدة أيام، اصطحب مهندس الديكور الى مكتبه القديم حيث كانت لافتة "شركة رجب للخدمات البحرية" قد ضربتها الشمس وتشققت قشرة خشبها. وبالداخل كان العنكبوت قد نسج خيوطه فخيمت على كل شيء وبدا المكتب كمقبرة مهجورة.

وبينما كان المهندس يشرح له تصورات وتخيلات الشقة بعد تجديدها. .حدث زلزال هز أعماق مصر كلها وضرب فيها الأمل والأمان .. وزحفت جموع الشعوب العربية لهول الصدمة عندما أعلن موت جمال عبد الناصر.
العميل رقم 1041

امتلأت الشوارع بفيضان من البشر كالطوفان يجرف أمامه هدأة الحياة وغفلة الزمن زحف من الأحياء يغلي، وكتل ملتصقة من الحناجر تصرخ في هلع وبكاء مرير يمزق القلوب . . وشروخ بدت في الوجوه بفعل الدموع. وتوقفت الحياة ومادت موازين العقل فلا عقل يصدق أن الزعيم رحل.

ودون أن يدري . . بكى رجب، وكان لا يدري أيبكي ناصر الأمل؟! أم يبكي بذور الخيانة التي تعملقت بداخله وعظمت فروعها؟

وود للحظات لو أن أقدام الباكين الحائرين داسته. لكنه سرعان ما استعظم ذاته وأبى ألا يضعف. بل سطر أولى رسائله، وكانت هذه الرسالة هي الخطوة العملية الأولى في عالم الجاسوسية. . رداً على رسالة وصلته بطريق الراديو تطلب منه مراقبة حركة ميناء الاسكندرية وعما إذا كانت اسلحة سوفييتية تتدفق على مصر بعد موت زعيمها الأول أم لا ؟ وكانت الرسالة كالتالي:

(رقم 2) سطور كتبت باللغة العربية بالحبر السري بين سطور الرسالة.

(رقم 1) سطور كتبت باللغة الانجليزية. الاسكندرية 24/1/1970

- صديقي العزيز باولو:

1- خط عادي: وصلتني رسالتكم العزيزة الى قلبي وكم سررت بها.

2- حبر سري: لا زالت أعمال التجديدات في مكتبي جارية وبالرغم من.

1- خط عادي: وتعجبت من فعل الزمن يفرق دائماً بين الأصدقاء.

2- حبر سري: ذلك أقوم بعملي وأراقب الميناء جيداً.

1- خط عادي: والمحبين، ولكنك يا صديقي مهما باعدت المسافات بيننا

2- حبر سري ومنذ صباح الأمس وأنا أراقب سفينة سوفييتية ضخمة.

1- خط عادي: تسكن بأعماق قلبي فالأيام الجميلة التي قضيتها معك.

2- حبر سري: ترسو على الرصيف وحولها حراسة مشددة. السفينة.

1- خط عادي: في جزر كيكلاديس . لا أستطيع مهما حييت أن

2- حبر سري: اسمها ستاليننجراد، وقال لي زميل قديم بالميناء:

1- خط عادي: أنسى طعم حلاوتها وروعتها والصور التي التقطت.

2- حبر سري: إن السفن السوفييتية تتردد بكثافة هذه الأيام.

1- خط عادي: لنا هناك تكاد تنطق بمدى شوقي الى تجديد هذه.

2- حبر سري: على الاسكندرية ونادراً ما تظل الأرصفة خالية منها.

1- خط عادي: الذكريات الجميلة في جزر بحر أيجه وشوارع ومقاه.

2- حبر سري: وعلمت أن بعضها تنزل حمولتها بالليل فقط بواسطة.

1- خط عادي: ومتاجر أثينا الساحرة. إن قلبي يرقص طرباً.

2- حبر سري: الأضواء الكاشفة. ومنذ أسبوع بالضبط نزل.

1- خط عادي: كلما مرت ببالي هذه الأيام الجميلة.

2- حبر سري: عدد كبير من الجنود والخبراء السوفييت.

1- خط عادي: عزيزي باولو: أرجو أن ترسل لي صورة ابنتك.

2- حبر سري: في ذات الوقت الذي تفرغ فيه سفن مصرية أخرى.

1- خط عادي: الجميلة بياتريتشي التي لم يسعدني الحظ برؤيتها.

2- حبر سري: حمولاتها من القمح المستورد من استراليا ومن.

1- خط عادي: خلال زيارتكم القصيرة لليونان. وسوف أحاول.

2- حبر سري: البرازيل.. وشاهدت عدداً كبيراً من الشاحنات العسكرية.

1- خط عادي: في القريب أن أزوركم في إيطاليا وأرى مدينتكم.

2- حبر سري: تنقل صناديق خشبية ضخمة بعضها مغطى بغطاء.

1- خط عادي: الرائعة – تريستا – التي تعشقونها. ومن جانبكم.

2- حبر سري: أزرق أو كاكي وتتجه الى طريق الاسكندرية.

1- خط عادي: لا تدخروا وسعاً في التفكير بجدية في زيارتي.

2- حبر سري: القاهرة الصحراوي، وأنزلت سفينتان حمولتهما.

1- خط عادي: مع احتفالات الكريسماس حيث المناخ هنا في.

2- حبر سري: من الخشب الزان من أسبانيا ورومانيا وتعطلت بالأمس.

1- خط عادي: مصر أكثر من رائع، وبالأخص في صعيد مصر حيث.

2- حبر سري: شاحنة على الطريق محملة بأجولة السكر المستورد.

1- خط عادي: آثار أجدادي الفراعنة تفوح منها رائحة التاريخ.

2- حبر سري: من الاتحاد السوفييتي وسأوافيكم بمشاهداتي.

1- خط عادي: تحياتي لكم وتمنياتي بالسعادة الدائمة.

2- حبر سري: أولاً بأول، وسوف أنتظر رسائلكم.

1- خط عادي: رجب

2- حبر سري: رقم / 1041
تحت الميكروسكوب

ومع إطلالة الأيام الأولى في عام 1971 كان رجب قد انتهى من تشطيب مكتبه . . وليس حلة جديدة من بهاء تتفق ورونق أعمال الديكورات الفخمة .. التي تدل على ذوقه الأوروبي ويساره. .

افتتح المكتب جمع غفير من الأهل والأصدقاء، وملأت إعلانات الدعاية بالعربية والإنجليزية صفحات الأهرام تعلن عن ميلاد شركة خدمات بحرية متميزة . . قادرة على تحمل مسؤوليات الشحن والتفريغ وما يخصهما من إجراءات مع الجهات المختصة.

وساعدته المخابرات الإسرائيلية كثيراً ليحصل على ثقة بعض الشركات البحرية العالمية ليصبح وكيلاً لها في الاسكندرية .. وتحول مكتبه الى خلية نحل اضطر معها الى الاستعانة بعدد كبير من الموظفين والسكرتارية، وازدحم المكتب بالزوار وذوي المصالح، وازدادت الخطابات الواردة اليه من الشركات الملاحية ومن رؤسائه في أثينا يغذونه بالمعلومات . . ويلقون أوامرهم وتوجيهاتهم ويدفعونه ليكبر أكثر وأكثر. فازدهرت أعماله بسبب التوكيلات العالمية التي حصل عليها، وصار اسمه مشهوراً ودخوله الى الميناء بالتصاريح الممنوحة أمراً سهلاً وقويت علاقاته بالموظفين وبالمديرين.

ولأنه يعمل في "المهنة" فقد كان سؤاله عن أحوال الميناء يوماً بيوم أمراً عادياً لا يثير ريبة ولا شكوكاً في نياته. . وهذا هو ما كانت تقصده المخابرات الاسرائيلية. . أي زرع جاسوس داخل ميناء الاسكندرية يرصد كل أسراره وأوضاعه دون أن يشك فيه أحد. ومرت الشهور تلو الشهور وهو لا يزال يرتقي سلم النجاح والشهرة، ولم ينس أفضال اليهود عليه للحظة واحدة.

إنهم أولى أمره الذين ثبتوا قدميه على طريق النجاح، وهم الذين تسعى مصر ومن خلفها جميع الدول العربية للإضرار بهم رغم قلتهم ومحدودية أرضهم ومواردهم.

لقد أكدوا له أنهم لا يريدون حروباً مع العرب.. فهم يدافعون عن رقعة صغيرة من الأرض يعيش عليها أطفالهم وضعافهم. وكلما شن أنور السادات هجماته من خلال خطبه السياسية .. كان رجب يرتعد خوفاً من حماس وعوده بأن هذا العام هو عام "الحسم" لتدمير إسرائيل. . وكثرت الرسائل الى رجب بطريق البريد والراديو .. وتعددت رسائله أيضاً الى "أصدقائه".

وانحبس النفس في رئتيه هلعاً يوم السادس من أكتوبر 1973 وجنودنا البواسل يعبرون الهزيمة ويدكون خط بارليف الحصين ويكتبون النصر غالياً بدمائهم.

وعندما كانت مصر – بل والأقطار العربية كلها تزغرد للنصر . . كان رجب يبكي في مكتبه وينتفض جسده خوفاً وشفقة على شعب إسرائيل الذي يقتله العرب بلا رحمة مجتمعين. وكثرت في تلك الأثناء زياراته للميناء يستقص الأخبار ويستقي المعلومات بجرأة، دون أن يلفت انتباه أحد، لكثرة أسئلته عن السفن الراسية بالميناء وفي الغاطس تنتظر الدخول.

لفتت رسائله المتعددة الى أثينا وروما انتباه ضابط المخابرات المصري المكلف بمراقبة البريد الصادر الى خارج مصر والوارد اليها. واكتشف أمر الرسائل المشفرة. وقام جهاز المخابرات المصرية بمراقبة بريد رجب عبد المعطي . . وجرى الكشف عن كل رسائله وصورت وأعيد إغلاق الرسائل بدقة متناهية.. لكي تكون دليل إدانة ضده أمام النيابة وعند محاكمته.

وبينما كان الجاسوس مشحوناً بحماس النصر، وبدأت الخريطة السياسية للمنطقة تتشكل من جديد .. نشط رجب في رصد حركة الميناء المستمرة وأرسل الرسالة التالية الى صديقه "الوهمي" ديميتريوس في اليونان:

الاسكندرية 27/11/1974. عزيزي ديمتريوس.

1- خط عادي: تهنئتي القلبية بمناسبة عيد ميلادك السعيد، ولعلك .

2- حبر سري: سفن شحن متعددة من جنسيات مختلفة تدخل.

1- خط عادي: الآن في أحسن حال بعد الوعكة الصحية التي أصبتم.

2- حبر سري: الميناء لتفرغ حمولتها من المواد التموينية بكثرة.

1- خط عادي: بها منذ ثلاثة أسابيع. فكيف حالكم الآن؟!!

2- حبر سري: أيضاً تأكدت من وصول سفينة تشيكوسلوفاكية.

1- خط عادي: أحوالي على أحسن ما يرام، وأنوي إجراء بعض.

2- حبر سري: تحمل معدات عسكرية في صنادق يصعب الاقتراب.

1- خط عادي: أعمال الديكورات الحديثة بمكتبي، على ذلك.

2- حبر سري: منها بسبب الحراسة المشددة، ولا زالت.

1- خط عادي: فسأتغيب لمدة أسبوعين على الأكثر على شاطئ.

2- حبر سري: سفن عربية من الجزائر وليبيا تنزل حمولتها.

1- خط عادي: البحر الأحمر ريثما ينتهي مكتب الديكور من عمله.

2- حبر سري: من البطاطين والمواد الطبية وسفينة عملاقة.

1- خط عادي: ولسوف أعاود بعد ذلك نشاطي بشكل أفضل.

حبر سري: تحمل علم بنما اسمها "ليليها مر" [5] محملة بحوالي.

1- خط عادي: بعد هذه الإجازة التي أتشوق اليها لأتمكن.

2- حبر سري: 200 جرار زراعي ومعدات زراعية وميكانيكية.

1- خط عادي: من صيد السمك بعيداً عن زحام العمل والتوتر.

2- حبر سري: مختلفة وسفينة سوفيتية تحمل معدات توليد.

1- خط عادي: المستمر من جراء المشكلات المتوقعة.

2- حبر سري: كهرباء ضخمة وآلاف من الإطارات.

1- خط عادي: تهنئتي لك مرة أخرى وتحياتي وأشواقي.

2- حبر سري: الكاوتشوك مقاسات مختلفة وموتورات.

1- خط عادي: رجب.

2- حبر سري: رقم / 1041.
قتلته ظنونه

. . . وأخيراً .. بعد أن جمعت المخابرات العامة المصرية كل الأدلة التي تدينه . . توجهت قوة من رجال المخابرات صباح 13 يناير 1975 الى مكتبه. . اعتقد رجب أنهم "زبائن شغل" ولكن . . حينما أخبره قائد القوة بأنه ضابط مخابرات . . لم يستطع رجب أن يقف . . ظل ساكناً على كرسيه تتحرك ركبتاه لا إرادياً، واصطكت أسنانه فجأة، وزاغت عيناه في هلع لا حدود له.

ومن قبيل الصدف العجيبة أن رجل البريد جاء برسالة من المخابرات الاسرائيلية – مرسلة من الداخل – أثناء وجود المخابرات في مكتبه حيث طلبوا منه حلها . . ووضعوا أمامه كتاب الشفرة التي عثروا عليه في درج سري بالمكتب مع كل أدوات التجسس المزود بها.

لم يستطع رجب استيعاب الأمر على حقيقته. فقد كانت نظرات ذهوله تدل على مدى الرعب الذي أصابه. . إنهم أفهموه في تل أبيب وفي أثينا أن المخابرات الاسرائيلية لم يحدث لها أن فشلت مرة واحدة في مهامها.. ولكن الفشل يأتي دائماً من العميل الذي قد يهمل تكتيكات الأمان التي يجب عليه أن يلتزم بها ولا يهملها أبداً. فجهاز المخابرات الاسرائيلي – حسبما اقنعوه – أفضل أجهزة المخابرات في العالم.

ابتسم رجب في سخرية عندما تذكر ادعاءاتهم الباطلة، وبينما كانت قافلة السيارات تنطلق به الى القاهرة – كانت المخابرات الاسرائيلية ترسل بالراديو رسالتها الدورية الى عميلها:

"ننتظر ردك على الرسالة التي وصلتك .. لا تتأخر، واستعد للسفر خلال شهر مارس الى أثينا".

وفي مبنى المخابرات المصرية جرى استجوابه فاعترف تفصيلياً – وهو مذهول – بقصة سقوطه في مصيدة المخابرات الاسرائيلية .. وعقدت له محكمة عسكرية وجهت اليه التهم الآتية:

- باع نفسه ووطنه للعدو مقابل المنفعة المادية.
- أمد العدو بمعلومات عسكرية واقتصادية تضر بأمن الدولة ومصلحة البلاد.
- ارتضى لنفسه أن يحمل اسماً يهودياً وجواز سفر يهودياً ورتبة عسكرية يهودية.
- التخابر مع دولة معادية "إسرائيل" بقصد الإضرار بالعمليات الحربية لمصر.
- التخابر مع دولة أجنبية معادية لتسليمها سراً من أسرار الدفاع عن البلاد.

وحكمت المحكمة بالإعدام شنقاً. . وصدق المفتي ورئيس الجمهورية على الحكم. وأثناء انتظار التنفيذ . . شعر الخائن بعظم جرمه وفداحة مسلكه. وعامله المجرمون والقتلة في السجن معاملة سيئة، وكادوا أن يفتكوا به عدة مرات كلما سنحت لهم فرصة لقائه. وأنزوى الخائن يجتر ذكرياته فتتقلص عضلات جسده.. ومضت عليه عدة أسابيع، ذاق خلالها مرارة الحسرة والذل والمهانة. . ونحتت بدنه عضات الندم .. حتى عثر عليه ذات يوم ملقى على الأرض بزنزانته وسط بركة من الدم المتجلظ . . وقد عثر على إحدى عدسي نظارته منزوعة ومهشمة. . وتبين أن هناك ثمة قطع غائر بيده اليسرى طال شريانه.

- ترى .. هل أصابه مس من العقل وأدرك فداحة جرمه فانتحر؟
- أم أنه استشعر الفارق الشاسع ما بين الرفاهية والحبس؟
- أو ربما ظن أن الموساد ستنقذه لا محالة فقتلته ظنونه؟ لا أحد يعرف..
- لكنه حتماً أفاق بعدما خسر الكثير..
- خسر نفسه وأهله ووطنه . . وكل شيء . . كل شيء ضاع..

لكن اسمه سيظل دائماً بقائمة الخونة . . أولئك الذين باعوا عروبتهم بثمن بخس. . ولن يغفلهم التاريخ على مر الأحقاب . .!!

_____



_____




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://zohor-mostaqble.ahlamontada.net/index.htm
Mostafa
مراقبـ
مراقبـ


ذكر
عدد المساهمات: 2607
العمر: 18
العمل/الترفيه: لعب كرة القدم
فصل: 1/5 ث وبلا فخر
المزاج: راااااااااااااااايق!!
مزاجي اليوم:
المهنة:
الهواية:
أوسمة العضو:
نقاط: 12748
السٌّمعَة: 33
تاريخ التسجيل: 18/01/2010

مُساهمةموضوع: نبيل نحاس   الجمعة يونيو 11, 2010 9:35 pm

نبيل نحاس

أشرس جواسيس إسرائيل في مصر،

ظل يمارس تجسسه وخيانته في الظل لمدة "13 عاماً" متتالية، بعيداً عن أعين جهاز المخابرات المصرية،

وعند سقوطه. . أصيبت المخابرات الإسرائيلية بلطمة شديدة أفقدتها توازنها.

فقد تزامن سقوطه مع سقوط جواسيس آخرين اكتشف أمرهم، وفقدت الموساد بذلك مصدراً حيوياً من مصادرها في مصر، الذين أمدوها بمعلومات غاية في الأهمية طوال هذه السنوات بلا تعب أو كلل
.
فقد كانت الجاسوسية عند نبيل النحاس قد وصلت الى درجة الصقل والاحتراف، بعدما تعدت مراحلها الابتدائية الأولى، وتحولت مهنة التجسس عنده الى أستاذية في التخفي والتمويه والبحث عن مصادر المعلومات. ووصلت درجة الثقة في معلوماته عند جهاز الموساد لمدى شاسع من الجدية والتأكيد.

&&&&&&&&
جونايدا روتي
&&&&&&&&

حوت التحقيقات التي أجريت مع العديد من الخونة بمعرفة المخابرات العربية . . سواء في مصر أو في سوريا أو العراق أسراراً مذهلة عن كيفية انتقاء الجواسيس . .

فمراكز المخابرات الاسرائيلية بكافة فروعها – شأنها كشأن كافة أجهزة المخابرات الأخرى – تتخذ من النظرية القائلة بأن لدى كل إنسان نقطة ضعف.. ولكل إنسان ثمن . .نقطة انطلاق للتنقيب عن ضعاف النفوس واصطيادهم .. وتخضع عملية الإيقاع بهم والسيطرة عليهم لخطوات معقدة وشائكة.

من هذا المنطلق .. أجاد رجال الموساد استخدام هذه النظرية باتساع . . دون اعتبارات للشرف أو للفضيلة . . وأخذوا يطرقون كل السبل لتجنيد عملاء لها في كل مكان. فمن كان يبحث عن المال وجد ضالته لديهم.. ومن كان يسعى وراء نزواته وشهوته قذفوا إليه بأجمل نسائهم. . ومن ضاقت به الحياة في بلده أمنوا له عملاً وهمياً يقوده في النهاية الى مصيدة الجاسوسية، دون أن يدري.

فالملاحظ. . أن "العميل" في الغالب لا يعرف أنه أصبح "عميلاً" في بداية تجنيده. . بل يكتشف ذلك بنفسه بعد انغماسه في التجسس .. وتكون شباك الجاسوسية قد كبلته وأطبقت عليه . . ولم تعد لديه أية وسيلة للفكاك.
حينئذ .. كالآلة الصماء يضطر الى العمل دون إدراك للعواقب. .

والمثير في الأمر . . أن هناك بعض الجواسيس الذين سقطوا في قبضة المخابرات العربية كانوا يجهلون أنهم عملاء لإسرائيل. . وتبين لهم ذلك فقط عندما ووجهوا بالحقائق والأدلة التي تدينهم وتؤكد تورطهم. . ومن خلال اعترافات بعضهم –
فتحي رزق، محمد أحمد حسن، جان ليون توماس، فؤاد محرم، سمير باسيلي. . الخ –

نجد حقائق مثيرة عن كيفية اصطيادهم وتجنيدهم . . حيث يستخدم صائدوا الجواسيس كل أسلحة التأثير النفسي والمغريات المختلفة لإذابة تركيزهم واحتوائهم. . فلكل صيد "طعم" خاص به يلقى اليه . . ومن خلال قصص الجواسيس التي بين أيدينا نجد أن بينها تشابهاً كبيراً. . ولا تكاد تختلف إحداها عن الأخرى إلا من ناحية تنوع الأسماء والأماكن والمواقف. ذلك أن صائدي الجواسيس في المخابرات الاسرائيلية لهم ميزة عجيبة وصفة واحدة .. وهي أن لكل منهم أنف كلب الصيد الذي يدرك مكان الفريسة بالشم ويحدد مكانها بدقة . . الى جانب رادار حساس في أذنيه. . يضاف الى ذلك "الكرم" الذي يصل لدرجة البذخ أحياناً. . واتقان شديد للغة العربية وعادات شعوبها.

هذه الصفات مجتمعة تؤمن للصياد أن يكتشف مكامن الضعف في الفريسة .. التي تكون على وشك الإفلاس . . أو قد تكون مصابة بانحراف جنسي . .

هذا ما حدث بالضبط مع الجاسوس "نبيل النحاس" الذي عبد الشهوة فأغرقته وأرقته.. وبسببها كان اصطياده سهلاً .. بسيطاً. .

تمتد جذور أسرته الى "حاصبيا" في محافظة لبنان الجنوبية وتقع على نهر الحاصباني وبعد سنوات طويلة انتقلت الأسرة الى "كفر شيما" بمنطقة الشويفات جنوبي بيروت ومن هناك الى مصر وأقام والده بالسويس، وتزوج من فتاة مصرية أنجبت له "نبيل" عام 1936.

كان الطفل يحمل ملامح والده الشامي الأشقر وعذوبة أمه المصرية. . وتميز منذ الصغر بذكاء شديد يفوق أقرانه .. فتنبأ له الجميع بمستقبل مضمون ونجاح أكيد. .
وتلاحقت السنون سراعاً ونجح نبيل النحاس في الثانوية العامة والتحق بجامعة القاهرة طالباً بكلية التجارة. .وبخطوات واثقة شق طريقه نحو الحياة العملية بعد تخرجه متفوقاً. . تراوده طموحات لا حدود لها. .

ولم يطل به الانتظار طويلاً . . إذ سرعان ما عمل سكرتيراً في منظمة الشعوب الأفرو آسيوية التي كان يرأسها الأديب يوسف السباعي . . وكان عمله كتابة محاضر الجلسات والمؤتمرات على الآلة الكاتبة.

ومن خلال وظيفته وموقعه.. توسعت علاقاته وتشبعت .. وتبلورت شخصيته الجديدة التي نضجت مع ملاح رجولته

وبمرور الشهور استشعر نبيل النحاس ضآلة راتبه الذي تعدى المائة جنيه .. في ذات الوقت الذي كان فيه راتب زميله في مكان آخر لا يتعدى الخمسة عشر جنيهاً في ذلك الوقت عام 1959. . فعمله المرموق كان يتطلب مظهراً حسناً وملابس أنيقة تتناسب ومكانته .. الى جانب حاجته للإنفاق على معيشته وعلى وملذاته..

خاصة .. وقد ارتبط بعلاقة حميمة بفتاة أفريقية من كوناكري في غينيا . . كان اسمها "جونايدا روتي" ... تعمل مراسلة صحفية لعدة صحف أفريقية وعالمية.

أغدق عليها بالهدايا حتى تعثرت أحواله المالية .. فوجد الحل لديها لإنقاذه من تعثره عندما عرضت عليه أن يطلب إجازة من عمله بالمنظمة .. والانضمام الى إحدى وكالات الأنباء العالمية كمراسل مقابل راتب كبير مغر..

وكانت أولى المهام التي أوكلت إليه السفر الى منطقة الصحراء المغربية "ريودي أورو" ومن "فيلاشيز نيروس" و "العيون" يستطيع أن ينقل أخبار الصراع السري الدائر بين المملكة المغربية وموريتانيا . . صراع النفوذ على المنطقة المحصورة بينهما.
كانت سعادته بالمهمة الجديدة عظيمة .. حيث ستتاح له فرصة اللحاق بالساحرة الأفريقية – جونايدا – التي سبقته الى كوناكري. . وطار النحاس الى الدار البيضاء تحفه أحلام المغامرة والثقة في الغد.


&&&&&&&&&&
الطريق المختصر
&&&&&&&&&&

هناك – في الدار البيضاء – كانت بانتظاره مفاجأة بدلت مجرى حياته كلها .. إذ تعرف إليه في بهو الفندق رجل مغربي .. يهودي .. عرف منه وجهته .. فعرض عليه مساعدته لدخول ريودي أورو عن طريق أعوان له في "سيدي أفني" أقصى جنوب المغرب .. وكيفية اجتياز "وادي درعة" للوصول الى الحدود.

سر نبيل النحاس للصدفة الجميلة التي ما توقعها.. واحتفاء بالمراسل الصحفي الوسيم .. أعد له المضيف وليمة غداء بمنزله في "أزمور" الساحرة. . التي تقع على نهر "أم الربيع" وتشرف على ساحل المحيط الأطلنطي.

وفي منزل تحيطه الحدائق والزهور في بانوراما طبيعية رائعة .. كانت تنتظره المفاجأة .. إنها "مليكة" اليهودية المغربية التي تستحوذ على جمال فتان لم تراه عينه من قبل . .

الأيام تمر وينسي مهمته.. و يظل مع مليكة التي أحكمت شباكها حوله.. وحولته الى خادم طائعً.. منقاد لرأيها ..دون أن يشك ولو للحظة في كونها يهودية تسعى لاصطياده في خطة محبوكة ماهرة أعدتها جونايدا سلفاً في القاهرة.

وبعدما فرغت جيوبه . . أفاق على موقفه السيء بلا نقود في بلاد الغربة .. وتمنى لو انه كان يملك الملايين ليظل الى جانب مليكة لا يفارقها أبداً. .

ولما قرأت فتاته أفكاره .. طمأنته . . وعرضت عليه السفر معها الى باريس حيث الحرية والعمل والثراء .. وبلا وعي وافقها .. ورافقها الى عاصمة النور والجمال ومأوى الجواسيس .. وهناك لم يفق أو ينتبه الى حقيقة وجوده بين فكي كماشة ستؤلمه عضاتها حتماً ذات يوم. . ولما أيقنت أنه سقط في براثنها بلا قوة تؤازره وتدفعه لمقاومتها. . نبهته – بالتلميح – الى ضرورة إدراك حقيقة لا بد أن يعيها .. وهي أنها يهودية تدين بالولاء لإسرائيل حتى وإن كانت مغربية المولد .. ولغتها عربية فرنسية. .

وعندما استقرأ المراسل الصحفي مستقبله معها . . كانت الصورة أمامه مهتزة .. إذ جعلت منه مليكة طفلاً لا يعي .. وأبلهاً لا يقرر .. وأعمى لا يرى تحت قدميه.

أقام معها.. وكانت تنفق عليه بتوفير فرصة عمل له من خلال أصدقائها في باريس. . كما استدرجته للحديث في السياسة فأفاض بغزارة ..

وأسر إليها بما لديه من معلومات عن المنظمة الأفرو آسيوية . . وعن أشخاص بعينهم يمثلون رموزاً هامة في المجتمع الدولي .. وحدثها عن علاقاته بكبار المسؤولين في مصر .. وكانت كل تلك الأحاديث مسجلة بالصوت والصورة .. الى جانب تسجيلات أخرى أثناء إقامته مع عميلة الموساد.

كان "باسكينر" ضابط الموساد يراقب كل شيء . . ويدرس شخصية نبيل النحاس باستفاضة . . ولما حانت الفرصة المناسبة .. عرفته مليكة بفتاها .. وقدمته اليه على أنه رجل أعمال إسرائيلي يدير شركة كبرى للشحن الجوي تمتد فروعها في كل القارات .. وكان رد الفعل عند المراسل الصحفي يكاد يكون طبيعياً. . فهو يسعى الى المال أينما وجد .. وسواء تحصل عليه من يهودي أو هندوسي فلا فرق .. المهم هو الكم.

استخلص الضابط المحنك حقيقة مؤداها أن الشاب المصري يريد المال ومليكة معاً. . فتولى أمره . . وتعهده ليصنع منه جاسوساً ملماً بفنون الجاسوسية.. وكانت المناقشات بينهما تبدو طبيعية لا غبار عليها .. ثم تطرق باسكينر شيئاً فشيئاً الى هويته. . وموقف العرب من إسرائيل. . واتجاهات الدبلوماسية العربية إزاء الوجود الإسرائيلي في المنطقة. .

في أحاديثه أيضاً تطرق الى عمليات الموساد الخارقة في البلاد العربية .. وكيف أنها تدفع بسخاء الى عملائها . . وتحرص على حمايتهم إذا انكشف أحدهم .. ونوّه – من بعيد – عن التسجيلات الصوتية والأفلام التي بحوزتهم . . والأسرار التي تحويها هذه الشرائط، وأنها قد تهلك أصحابها إذا ما وقعت في أيدي المخابرات العربية.

لم يكن نبيل النحاس غبياً بالدرجة التي تجعله يجهل ما يرمي إليه باسكينر . . أو يتجاهله .. إذ استوعب نواياه ومقصده . . وكان تعليقه الوحيد أنه شخصياً يتعاطف مع إسرائيل .. وأن تعاطفه هذا عن قناعة تبلورت من خلال قراءاته في تاريخ اليهود.

بذلك . . اختصر نبيل النحاس الطريق الطويل أمام باسكينر .. وخطا أولى خطواته الفعلية على درب الخيانة .. والخسة. .

أبقى باسكينر مليكة الى جوار الجاسوس الجديد. . فوجودها مهم للغاية في تلك المرحلة الأولى من الإعداد والتدريب .. ذلك لأن خضوعه كان مرهوناً بوجودها .. الى جانب آلاف الدولارات التي ملأت جيوبه فأسكرته . . وأنسته عروبته. . فقد كانت تمنحه النعيم ليلاً بينما يدربه باسكينر وزملاؤه نهاراً. .

كانت أولى دروس الخيانة هي كيفية استدراج ذوي المراكز الحساسة للحديث في أمور يصعب تناولها . . وتتعلق بأسرار الدولة .. واستغلال الحفلات و السهرات في الوصول الى أسرار غاية في الأهمية .. الى جانب ضرورة تزويد الموساد بنسخة طبق الأصل من محاضر مؤتمرات المنظمة الأفرو آسيوية التي سيعود لعلمه بها من جديد.

علموه أيضاً كيفية قراءة التقارير والأوراق بالمقلوب على مكاتب المسؤولين الكبار عند زياراته لهم . . واختزان الصور والرسوم والمعلومات التي يطلع عليها بذاكرته .. ثم يقوم بتسجيلها كتابة بعد ذلك . . وكيفية مراقبة المواقع العسكرية على الطريق ما بين القاهرة والسويس وكتابة تقارير وافية عن مشاهداته وإن كانت تافهة .. ويقوم بإرسالها – بواسطة الحبر السري – الى أحد العناوين في باريس – مقر الموساد المختص بجواسيس الشرق الأوسط – الذي يقوم بتجميع الأخبار والتقارير التي تفد إليه من قبرص وأثينا وبروكسل وروما فيرسلها بدوره الى تل أبيب.
&&&&&&&&&&&&
أهلاً بك في وطنك
&&&&&&&&&&&&

ابتدأ النشاط التجسسي الفعلي لنبيل النحاس في منتصف عام 1960 .. فقد عاد الى عمله بالمنظمة .. وكانت وظيفته ساتر طبيعي يختفي خلفه .. ولا يثير أية شبهات من حوله..

واستطاع من خلال علاقاته الهامة استخلاص معلومات لا يتوقف سيلها. . كانت تصل الى المخابرات الاسرائيلية أولاً بأول .. وبالتالي .. يتحصل على مقابل مادي ضخم يتسلمه في القاهرة بطرق ملتوية عديدة..

وبعد عامين تقريباً. . استدعى الى باريس في مهمة عاجلة .. حيث كان بانتظاره باسكينر .. الذي عهد به الى ضابط إسرائيلي آخر استطاع تدريبه على كيفية ترويج الإشاعات .. والتأثير سلبياً على الرأي العام من خلال تجمعات الأوساط المختلفة في مصر، ولقنع الكثير من أساليب الحرب النفسية والتأثير السيكولوجي، اعتماداً على لياقته ومقدرته الفذة على الإقناع، الى جانب ترسيخ فكرة الخوف من الإسرائيليين لدى المحيطين به، واستبيان آرائهم تجاه العدو وقدرات الجيوش العربية على مواجهته.

وبعد مرور عدة سنوات – كان نبيل النحاس من أنشط جواسيس إسرائيل في مصر. لقد نسي مليكة، ولم يعد يعرف لها وجهاً بعدما أدت مهمتها خير قيام. بينما انشغل هو بجمع أموال الموساد التي هيأت له فرص التعرف بالكثيرات غيرها، فالأموال طائلة والوثائق الهامة تقيم، والنساء على كل الألوان.

وفي مرحلة أخرى من مراحل صناعة الجواسيس المحترفين – أعد له برنامج تدريبي أكثر خطورة في بيروت، إذ تم إخضاعه لدورة تدريبية بواسطة خبير متفجرات عميل للموساد، فتعلم كيفية صنع المتفجرات، وتفخيخ الرسائل والطرود والتخفي والتمويه والهرب والتنكر.

لقد أرادوا أن يخلقوا منه جاسوساً فاعلاً وخبيراً في الأعمال الإرهابية والتدمير في مصر. وكان الخائن أشد قابلية للتشكل والتمحور وتنفيذ مخططات العدو ولو بقتل الأبرياء، وبعدما فرت من أعماقه دلائل العروبة، وسرت بشرايينه دماء تحوي كرات الخيانة بكل الصور.

لذلك .. تعاون بإخلاص مع الموساد في تهديد الخبراء الألمان، الذين يعملون في المصانع الحربية المصرية لإنتاج الصواريخ والأسلحة المتطورة .. بتوجيه الرسائل المتفجرة الى بعضهم، بالاشتراك ضمناً مع "يوهان وولفجانج لوتز" عميل الموساد الشهير في القاهرة الذي ألقى القبض عليه في فبراير 1965 ولم يجر إعدامه.

وبرغم عدم اكتشاف أمره – إلا أن نبيل النحاس لم يتوقف بعد سقوط لوتز، واحتل مرتبة الصدارة لدى المخابرات الاسرائيلية في المنطقة. وقام بدور حيوي في نقل أسرار عسكرية وحيوية الى إسرائيل قبل نكسة يونيو 1967 . . ساعدت العدو على اجتياح الأراضي المصرية واحتلال سيناء. واعتبر نبيل النحاس نجاح إسرائيل في هزيمة العرب نتاج تعاونه معهم وإمدادهم بوثائق خطيرة وتقارير تشكل الصورة الواقعية للعسكرية المصرية .

وفي عام 1968 أفرجت مصر عن "لوتز" في صقفة مع إسرائيل للإفراج عن عدد كبير من أسرى الحرب لديها. وأحس نبيل بالزهو، فالصفقة منحته قدراً هائلاً من الثقة في مخابرات اسرائيل التي لا تترك جواسيسها وعملاءها نهباً للقلق، إذ تسعى لمبادلتهم وبأي ثمن حماية للجواسيس الآخرين الذين يعملون في الخفاء، ويتملكهم الرعب عند سقوط أحدهم في قبضة المخابرات العربية.

لقد اطمأن أخيراً على مستقبله في حالة سقوطه، فسوف تتم مبادلته هو الآخر ليعيش بقية حياته في إحدى الفيلات الرائعة بإسرائيل، ينعم بالأمن وبالأموال الكثيرة.

هذا الهاجس الذي عاشه، جعل منه خائناً خطيراً لا يتورع عن بيع أي شيء ذي أهمية لإسرائيل. . وكانت زيارته الى تل أبيب حلماً يراوده، وأملاً ينشده. لقد أراد أن يرى إسرائيل من الداخل ويتجول بين مدنها ويتخير لنفسه بيتاً نماسباً قد يسكنه ذات يوم. وأعدوا له برنامجاً مشحوناً ينتظره قبل زيارته لإسرائيل بعدة أسابيع، وأثناء تواجده في أثينا. . كانت خطة سفره قد اكتملت.

ففي غفلة عن الأنظار اختفى نبيل فجأة من فندق "بوزايدون". . وفي المطار كان ثمة رجل أشقر تغطي وجهه نظارة سوداء، ويرتدي معطفاً ترتفع ياقته لتخفي بقية وجهه، يحمل جواز سفر إسرائيلياً باسم "شاؤول ياريف" ولا يتحدث مع أحد. خطواته الواثقة قادته الى السيارة التي أقلته حتى طائرة العال الإسرائيلية الرابضة على الممر، وعن قرب كان يتبعه رجل آخر لا يبدو أنه يعرفه.. إنه باسكينر ضابط الموساد الذي خلق منه جاسوساً محترفاً، وفي مطار بن جوريون كانت تنتظره سيارة ليموزين سوداء ذات ستائر، سرعان ما دلف اليها .. فأقلته الى مكان لا يعرفه سوى قلة من ضباط الموساد الذين استقبلوه بحفاوة بالغة.

وفي مكتب "زيفي زامير" رئيس الموساد الجديد كان اللقاء أكثر حرارة، إذ ترك زامير مكتبه وجلس قبالته يتأمل وجهه العربي الصديق، وعرض عليه خدمات الموساد فاختار الخائن أولاً أن يلتقي بالسيدة جولدا مائير، فصحبه الى هناك حيث اصطف أكثر من خمسة وعشرين جنرالاً إسرائيلياً لتحيته، واحتضنه أحدهم قائلاً له

"أهلاً بك في وطنك إسرائيل"

وصافحته جولدا مائير بحرارة، وأمرت بتلبية كل مطالبه ولو كانت مستحيلة. وقالت لزامير:

"شكراً على هديتك الرائعة التي جلبتها لإسرائيل"

وعلق الخائن قائلاً:

لم أكن أحلم قبل اليوم بأكثر مما أنا فيه الآن. أشعر أنني بين أهلي، ويكفيني هذا الشعور سيدتي.

وأمرت له رئيسة الوزراء بمكافأة خاصة وقدرها خمسة وعشرين ألف دولار من مكتبها، بخلاف ما سيحصل عليه من أموال الموساد. .

وفي الفيلا التي نزل بها كانت مفاجأة مدهشة .. إنها مليكة . العميلة المحترفة التي أوقعت به صيداً سهلاً في شرك الجاسوسية لصالح الموساد. لتكافئه على إخلاصه لإسرائيل.

ستة عشرة يوماً بين ربوع إسرائيل زائراً عزيزاً، عاد بعدها نبيل النحاس الى أثينا بآلاف الدولارات التي كوفئ بها من إسرائيل.. والتي زادته شراهة في الخيانة، وعبقرية في جلب المعلومات. .

فالمنطقة العربية تغلي كبركان على وشك الفوران والثورة .. والشعب العربي هديره مطالباً بالثأر يصم الأذان، وحالة ترقب في إسرائيل وانتظار لصحوة المارد العربي . . الذي سقط يتلوى يبغي الوقوف والصمود.


&&&&&&&
بكاء الذليل
&&&&&&&

كانت المهمة بالنسبة لنبيل أشد صعوبة برغم سنوات الخيانة والخبرة، وبرغم احتضان مصر له لم يحفظ لها الجميل بعدما تعهدته طفلاً، ونشأته صبياً، وعلمته شاباً، ونخرت الخيانة عظامه كالسوس يسعى لا علاج له سوى الهلاك والفناء. فبادر على الفور في استكشاف النوايا تجاه إسرائيل، ونشط في جمع أدق المعلومات عن تسليح الجيش، والمعدات الحديثة التي تصل سراً من الاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية، وانغماسه بصحبة فتيات الليل،كان يجلب له بعض المناصب والعارفين بالأمور العسكرية.

ومن خلال تلك الحفلات كانت المعلومات تتناثر هنا وهناك، فيلتقطها بعقل واع يقظ ويدونها، ويبعث بها في الحال الى مكتب الموساد في جنيف.

وعندما تلقى رسالة مشفرة من رؤسائه تطلب منه معلومات مركزة عن حركة ميناء الاسكندرية، لم يتأخر في تنفيذ الأمر، وأسرع الى الاسكندرية للقاء صديق له يعمل في شركة تمارس نشاطات بحرية، وأغدق عليه بالهدايا الثمينة . . فانتبه صديقه لذلك وتساءل مع نفسه "لماذا"؟ وادعى جهله بأمور تجري بالميناء الحيوي .. فوجد إلحاحاً من الخائن يطلب منه تزويده بما يخفى عنه .. بحجة عمله كمراسل لوكالة أنباء دولية.

لم يكن نبيل يدرك مطلقاً أن صديقه قد انتابته الشكوك .. فبادر على الفور بإبلاغ المخابرات المصرية ووضع العميل تحت المراقبة الشديدة.

وبعد نصر أكتوبر 1973 صدم الخائن لهزيمة إسرائيل. وفي روما عنفه ضابط الموساد واتهمه بالإهمال الجسيم الذي أدى لهزيمتهم الساحقة أمام العرب. وأقسم له الخائن أنه لن يقصر، ولكن الضابط كان ثائراً ولم يستطع أن يخفي انفعاله وغضبه.

تخوف نبيل من فكرة الاستغناء عن خدماته للموساد.. لذلك عاد الى مصر في الرابع عشر من نوفمبر 1973 حانقاً، وبداخله تصميم قوي على "تعويض" هزيمة إسرائيل، وتملكه بالفعل اعتقاد بأنه أهمل في عمله ولم يكن دقيقاً في نقل نوايا المصريين.. وبنشاط مجنون أخذ يبحث عن مصادر لمعلومات وإجابات يحمل أسئلتها. وفي غمرة جنون البحث .. كانت المخابرات المصرية تلاصقه كظله وتريد ضبطه متلبساً بالتجسس.

وفي 24 نوفمبر 1973 – بعد عشرة أيام من عودته من روما – اقتحمت المخابرات المصرية شقته في القاهرة، وضبطت أدوات التجسس كاملة، فلم يستطع الإنكار وإنهار باكياً أمام المحققين. . وأدلى باعترافات تفصيلية ملأت مئات الصفحات، وهو لا يصدق أنه سقط بعد 13 عاماً كاملة في مهنة التجسس التي أجادها واحترفها. وقدم الى المحكمة العسكرية وظل لآخر لحظة ينتظر المفاجأة .. مفاجأة مبادلته والعودة الى "وطنه إسرائيل".

لكن خاب ظنه وقتل أمله . . فالجيش المصري كان هو الغالب المنتصر في أكتوبر 1973 .. والأسرى كانوا هذه المرة جنوداً إسرائيليين، وليس هناك أمل لمبادلته على الإطلاق.

لقد كانت إسرائيل في محنة ما بعدها محنة. ولا وقت هناك للتفكير في إنقاذ خائن باع وطنه رخيصاً، بحفنة من الدولارات ..

وكمثل جواسيس خونة آخرين اكتشف أمرهم. . أنكرت إسرائيل معرفتها به، وتجاهلته ليموت ذليلاً لا ينفعه بكاء الندم .. أو تقيه أموال الموساد من حبل المشنقة.. !!

_____



_____




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://zohor-mostaqble.ahlamontada.net/index.htm
Mostafa
مراقبـ
مراقبـ


ذكر
عدد المساهمات: 2607
العمر: 18
العمل/الترفيه: لعب كرة القدم
فصل: 1/5 ث وبلا فخر
المزاج: راااااااااااااااايق!!
مزاجي اليوم:
المهنة:
الهواية:
أوسمة العضو:
نقاط: 12748
السٌّمعَة: 33
تاريخ التسجيل: 18/01/2010

مُساهمةموضوع: رد: جواسيس الموساد الاسرائيلى   الجمعة يونيو 11, 2010 9:58 pm

ارجوا التثبيت

_____



_____




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://zohor-mostaqble.ahlamontada.net/index.htm
سيد جمال
عضو فعال
عضو فعال


ذكر
عدد المساهمات: 130
مزاجي اليوم:
المهنة:
الهواية:
أوسمة العضو:
نقاط: 7379
السٌّمعَة: 11
تاريخ التسجيل: 12/09/2009

مُساهمةموضوع: رد: جواسيس الموساد الاسرائيلى   السبت يونيو 12, 2010 12:46 am

لازم يتثبت يامصطفى

جزاك الله خيرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سارة أيمن
Admin
Admin


انثى
عدد المساهمات: 5871
العمر: 17
الموقع: --------------
العمل/الترفيه: طالبة
فصل: :'(
المزاج: disappointed
مزاجي اليوم:
المهنة:
الهواية:
أوسمة العضو:
نقاط: 16292
السٌّمعَة: 201
تاريخ التسجيل: 06/12/2008

مُساهمةموضوع: رد: جواسيس الموساد الاسرائيلى   السبت يونيو 12, 2010 1:08 am

مجهود رائع
شكـــ (جزيلاً) ـــراً
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://zohor-mostaqble.ahlamontada.net
 

جواسيس الموساد الاسرائيلى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات مدارس طوخ الخاصة ::  :: -